أمي حرمتني من مقعد جامعة بغداد وأعطته لطالبة أخرى... لكن فيديو واحد كشف الحقيقة أمام المدرسة كلها!

لمحة نيوز

منج. هذا ما كان يعني أخليج وحدج. هذا ما كان يعني أصدق كل الناس إلا بنتي.
ابتسمت بمرارة.
ليش احتجتِ فيديو حتى تعرفين هذا؟
سكتت.
لم تجد إجابة.
وهذه كانت الإجابة.
قلت
لو ما وصلتني الرسالة؟ لو ما ظهرت الكاميرا؟ كنتِ رح تخليها تأخذ المقعد. وكنتِ رح تخليني أعتذر إلها. ويمكن كنتِ رح ترجعين للبيت مقتنعة إنج سويتي الصح.
انكسرت ملامحها.
يمكن.
كانت أول مرة لا تبرر.
أول مرة لا ترتب الكلام حتى تظهر بصورة جيدة.
أول مرة تقول الحقيقة كما هي، حتى لو كانت ضدها.
قالت
يمكن كنت رح أسوي هذا.
نظرت إلى الأرض.
ثم قالت
وهذا أكثر شي مخوفني من نفسي.
ساد بيننا صمت طويل.
لم يكن صمتاً فارغاً.
كان ممتلئاً بكل ما لم نقله طوال السنوات الماضية.
ثم قالت
سارة، أنا راح أكتب إفادتي كاملة. وأتحمل نتيجة اللي سويته. وأطلب من الإدارة إعادة النظر بالترشيح. مو لأنج بنتي. لأنج صاحبة الحق.
لم أجب.
قالت
وما راح أطلب منج تسامحيني.
نظرت إليها.
أكملت
لأن المسامحة مو واجب عليج. أنا اللي لازم أتعلم أكون أم قبل ما أكون مشرفة.
ثم ابتعدت.
بقيت وحدي.
لأول مرة منذ بداية اليوم، سمحت لنفسي بالبكاء.
ليس بكاء ضعف.
ولا بكاء هزيمة.
كان بكاء كل الكلمات التي حبستها حتى لا أكون غير محترمة.
كل الليالي التي أقنعت نفسي فيها أن أمي تحبني بطريقتها.
كل المرات التي رأيت فيها زهراء تأخذ مكاني وأقول لنفسي لا بأس.
لكن لم يعد لا بأس.
في الأسبوع التالي، بدأت التحقيقات الرسمية داخل المدرسة.
استُدعيت الطالبات واحدة تلو الأخرى.
بعضهن اعترفن أن زهراء كانت تتحدث كثيراً عن خوفها من أن تضيع منها التوصية.
وبعضهن قلن إنهن سمعنها قبل يوم الحادث تقول إن إصابتي قد تغيّر ترتيب المرشحات.
وإحدى الطالبات، اسمها نور، جاءت إليّ بعد إفادتها وهي تبكي.
قالت
سارة، أنا سمعتها ذاك اليوم، بس خفت أحچي. خفت من زهراء ومن الأستاذة أميرة.
لم أوبخها.
لم أقل لها إن خوفها ساعد في ظلمي.
كنت متعبة من حمل غضب جديد.
قلت فقط
المرة الجاية لا تسكتين.
هزت رأسها.
وعد.
أما زهراء، فقد تغيّرت تماماً.
لم تعد تمشي في الممرات كما كانت.
لم تعد تجلس في الصف الأول.
لم يعد أحد يلتف حولها كما في السابق.
لم أفرح بذلك.
كان هناك شيء محزن في
رؤية إنسان ينهار تحت نتيجة أفعاله.
لكنني تعلمت في تلك الأيام أن الشفقة لا تعني أن تنسى الحقيقة.
بعد انتهاء التحقيق الأولي، صدر قرار من المدرسة بإلغاء ترشيح زهراء للمقعد الدراسي، وإرسال الملف كاملاً إلى مديرية التربية لإعادة تقييم المرشحين.
كما أوصت الإدارة بأن يتم اعتماد المعدلات والتقارير الأكاديمية فقط، دون تدخل أي علاقة شخصية.
تمت مراجعة كل شيء.
درجاتي.
تقاريري.
شهادة المعلمين.
وضعي الصحي بعد الكسر.
حتى تقرير الطبيب الذي قال إنني أحتاج وقتاً للتعافي وأن الكتابة الطويلة ستؤثر على يدي.
وفي نهاية الأسبوع، استدعاني المدير إلى مكتبه مرة أخرى.
دخلت هذه المرة وحدي.
لم تكن أمي بجانبي.
ولم تكن زهراء في الزاوية.
فقط المدير أبو زيد، والمرشدة هناء، وملف جديد على الطاولة.
قال المدير
سارة، بعد مراجعة الملف من الإدارة والمديرية، تقرر ترشيحج رسمياً للمقعد الدراسي المميز في جامعة بغداد.
لم أتحرك.
لم أبتسم فوراً.
بقيت أنظر إلى الورقة.
إلى اسمي.
سارة أميرة؟ لا.
سارة كريم.
اسمي الكامل مكتوب بوضوح.
شعرت أن الحروف نفسها كانت تعيد لي شيئاً سُحب مني أمام عيني.
قالت المرشدة بابتسامة هادئة
مبروك يا سارة. استحقاقج رجع إلج.
لم أستطع منع دموعي هذه المرة.
وقعت الورقة بيدي اليسرى بصعوبة.
كان توقيعي مرتبكاً.
خطه ضعيف.
لكنه كان توقيعي.
وكان قراري.
وعندما خرجت من المكتب، وجدت أمي واقفة في الممر.
لم تقترب.
فقط نظرت إلى الورقة في يدي.
ثم إلى وجهي.
وقالت بصوت منخفض
مبروك.
كلمة واحدة.
لكنها لم تحمل هذه المرة نبرة المشرفة.
كانت نبرة أم تحاول أن تتعلم كيف تبارك دون أن تملك.
قلت
شكراً.
لم أقل ماما.
ولم أقل أستاذة أميرة.
قلت شكراً فقط.
وكان ذلك كل ما أقدر عليه.
مرت الأيام التي بعدها ببطء.
لم تتحول حياتي فجأة إلى قصة سعيدة.
يدي ما زالت تؤلمني.
الكتابة ما زالت صعبة.
والكلام مع أمي صار مثل المشي فوق زجاج مكسور.
نحن في البيت نفسه أحياناً، لكن بيننا مسافة لا تراها العين.
كانت تحاول.
تضع لي الدواء قرب السرير.
تسألني إن كنت أحتاج شيئاً.
تحضر لي الشاي أثناء الدراسة.
لكنها لم تفرض نفسها.
لم تقل انسي.
لم تقل كفاك قسوة.
لم تقل أنا أمك ويجب أن تسامحيني.
وهذا،
بطريقة غريبة، جعل وجودها أخف.
في إحدى الليالي، كنت جالسة على الطاولة أحاول حل نماذج الامتحان بيدي اليسرى.
كانت الكتابة بطيئة ومزعجة.
كل سطر يأخذ مني وقتاً طويلاً.
دخلت أمي بهدوء.
وضعت أمامي دفتراً جديداً.
قلت دون أن أرفع رأسي
شنو هذا؟
قالت
سألت المديرية عن وضعج. قالوا تقدرين تقدّمين طلب مراعاة طبية بسبب الكسر. مو تسهيل غير عادل. إجراء رسمي لأي طالبة عندها إصابة مثبتة.
توقفت عن الكتابة.
نظرت إليها.
قالت بسرعة، كأنها تخاف أن أفهمها خطأ
القرار إلج. ما راح أضغط عليج. بس حبيت تعرفين حقج.
حقج.
كانت الكلمة جديدة على لسانها.
قلت
وليش ما قلتي هذا من البداية؟
أخفضت عينيها.
لأنني كنت أخاف من كلام الناس أكثر من خوفي عليج.
لم أجب.
جلست على الكرسي المقابل دون أن تطلب.
قالت
أريد أحچيلج شي، وإذا ما تحبين تسمعين، أقوم.
بقيت صامتة.
اعتبرت صمتي إذناً.
قالت
لما صرت مشرفة، كل الناس كانوا يراقبوني. أي طالبة أساعدها يقولون لأنها تحبها. أي قرار آخذه يقولون عندها مصلحة. ولما صرتِ أنتِ طالبة عندي، صار خوفي أكبر. كنت أقول لنفسي لازم أكون قاسية على سارة حتى ما يقولون أجاملها.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
فصرتِ قاسية عليّ فعلاً.
هزت رأسها والدموع في عينيها.
نعم. وبالغت. ونسيت أن العدالة ما تعني أظلم القريب حتى أرضي البعيد.
تأملت وجهها.
كانت تبدو أكبر من عمرها تلك الليلة.
قلت
وزهراء؟
تنهدت.
زهراء أخطأت وتتحمل خطأها. وأنا أخطأت لما جعلتها تشعر أن حقج أقل من حاجتها.
ثم أضافت
زرت أهلها مع المرشدة. أمها منهارة. بس التحقيق مستمر، والمدرسة راح تتخذ إجراءاتها. ما أريد أتدخل. لا معها ولا ضدها. القانون يأخذ مجراه.
أومأت ببطء.
لأول مرة، شعرت أن أمي تفهم الفرق بين الرحمة والظلم.
في يوم الامتحان، استيقظت قبل الفجر.
كان قلبي يضرب بقوة.
يدي اليمنى في الحمالة.
يدي اليسرى تمسك القلم.
كنت أخاف أن لا أستطيع الكتابة بالسرعة المطلوبة.
لكنني كنت أخاف أكثر من أن أسمح لما حدث أن يعرّفني.
عند باب البيت، وجدت أمي تنتظر.
لم تقل الكثير.
فقط مدت لي حقيبتي.
وقالت
سارة.
نظرت إليها.
أنا فخورة بيج. سواء نجحتِ أو لا. مو لأنج الأولى. لأنج وقفتي وما سكتِ على الظلم.
شعرت بشيء يهتز داخلي.

كانت هذه الجملة متأخرة.
لكنها كانت حقيقية.
قلت
ادعي لي.
ابتسمت وهي تبكي.
من أول يوم وأنا أدعيلج. بس كنت ما أعرف أحبج صح.
لم أعرف ماذا أفعل بهذه الجملة.
فاكتفيت بأن أخذ الحقيبة.
ذهبت إلى الامتحان.
كتبت ببطء.
تألمت.
توقفت أكثر من مرة.
لكنني أكملت.
كل سؤال كنت أحله كان يبدو كدرجة من الدرج الذي سقطت منه.
هذه المرة لم أسقط.
هذه المرة كنت أصعد.
بعد أسابيع، ظهرت النتائج.
كنت في القسم الداخلي عندما وصلت الرسالة.
فتحتها وأنا لا أتنفس.
اسمي كان موجوداً.
قبول أولي.
ثم بعد أيام، جاء الاعتماد الرسمي.
جامعة بغداد.
نفس الاسم الذي كنت أكتبه خلف دفاتري.
لكن هذه المرة لم يكن حلماً.
كان حقيقة.
لم أصرخ.
لم أركض.
لم أفعل شيئاً.
جلست فقط على سريري، وضعت الهاتف على صدري، وبكيت.
بعد ساعة، عدت إلى البيت.
كانت أمي في المطبخ.
عندما رأت وجهي، فهمت قبل أن أتكلم.
قالت
قبلوج؟
هززت رأسي.
وضعت يدها على فمها.
ثم جلست على الكرسي كأن قدميها لم تعودا تحملانها.
بكت.
لكنها لم
تقترب مني.
تركت لي المسافة.
اقتربت أنا هذه المرة.
ببطء.
وقفت أمامها.
ثم وضعت ورقة القبول على الطاولة.
قالت وهي تنظر إليها
هذا حقج.
قلت
نعم. حقي.
رفعت رأسها.
وأنا آسفة لأنني كنت آخر من شافه.
لم أقل إنني سامحتها.
لم أكن جاهزة.
لكنني لم أبتعد أيضاً.
جلست على الكرسي المقابل.
وبقينا ننظر إلى الورقة بيننا.
ورقة واحدة.
لكنها كانت تفصل بين حياتين.
الحياة التي كنت فيها ابنة لا تُرى.
والحياة التي بدأت فيها أرى نفسي حتى لو تأخر الآخرون.
بعد أشهر، عندما دخلت بوابة جامعة بغداد للمرة الأولى، لم تكن يدي قد شُفيت تماماً، لكنها كانت أقوى.
أمي جاءت معي حتى الباب الخارجي فقط.
قالت
أدخل وياج؟
نظرت إلى البوابة.
ثم إليها.
قلت
لا. أريد أدخل وحدي.
هزت رأسها.
لم تتضايق.
لم تعتبرها إهانة.
فقط قالت
مثل ما تحبين.
مشيت خطوات قليلة.
ثم توقفت.
التفتُّ إليها.
كانت واقفة في مكانها، تحمل حقيبتي الصغيرة بيد، وتمسح دموعها باليد الأخرى.
ناديتها
أستاذة أميرة.
ارتجف وجهها.
كان الاسم يؤلمها، أعرف.
لكنه لم يعد عقاباً فقط.
كان تذكيراً بما حدث.
وبالمسافة التي ما زالت تحتاج وقتاً.
قلت
شكراً لأنج هذه المرة وقفتي مع الحق.

ابتسمت وهي تبكي.
أتمنى أتعلم أوقف وياه دائماً.
دخلت الجامعة.
لم أكن وريثة أحد.
ولم تكن خلفي قوة كبيرة.
ولم يفتح لي الباب حراس ولا نفوذ.
كنت فقط طالبة عراقية بيد مكسورة، وقلب مجروح، وحلم لم أسمح لأحد أن يأخذه مني.
لكنني في تلك اللحظة شعرت أن هذا كان كافياً.
كافياً جداً.

تم نسخ الرابط