قالوا إنهم يتحملون أباهم من باب الشفقة... فاختفى في اليوم التالي وترك رسالة غيّرت حياتهم كلها

لمحة نيوز

بالضبط ما ذهبت أطلبه منها ذلك الخميس.
لا أكثر.
قلت
اليوم ما عندي موعد.
قالت
لما يصير عندك.
نظرت إليها طويلاً.
يمكنك أن تأتي. لكن إذا جئتِ بوجه الواجب، أرجعك من الباب.
ابتسمت وهي تبكي.
حاضر.
لم أحتضنها في ذلك اليوم.
وهي أيضاً لم تجرؤ.
عندما رحلت، عاد كرار بالماء.
سألني
هاي بنتك؟
قلت
إي.
ليش ما حضنتها؟
فكرت في أم علي.
وفي زينب الصغيرة.
وفي الرسالة.
وفي حفيدَيّ وهما ينظران إلى هواتفهما.
قلت
لأن هناك أحضاناً يجب أن تُستحق من جديد.
افتُتحت ورشة أم علي رسمياً بعد ستة أشهر في شقتي القديمة.
أخرجنا سرير أم علي باحترام.
وبقيت الطاولة.
هناك كانت الدروس النظرية.
في الصالة وضعنا طاولات العمل.
وفي الشرفة الصغيرة صارت تدريبات السباكة.
وعلى الباب عُلقت لوحة بسيطة
ورشة أم علي السامرائي... مهن للعيش بكرامة.
في يوم الافتتاح حضر الجيران، والشباب، وأم حسين، والأستاذ علاء، وأبو جاسم، وحتى صاحب مخبز الصمون في الشارع.
قدموا الشاي، والكليجة، وخبزاً حاراً، لأن بغداد تعرف كيف تجعل حتى الوداع له رائحة بيت.
حضرت زينب مع حيدر وحفيدَيّ.
لم تكن نور تحمل الهاتف في يدها.
ولا زهراء.
لاحظت ذلك.
وقفت زينب تنظر إلى الشقة بعد أن تغيرت.
قالت
هنا كانت غرفتي.
قلت
نعم.
قالت
وهنا كانت أمي تفرش سفرة رمضان.
قلت
نعم.
امتلأت عيناها بالدموع.
قالت
خسرته، صح؟
قلت
لا. غيرته قبل أن تخسريه بطريقة أسوأ.
اقترب حيدر.
كان ينظر إلى الأرض.
قال
أبو علي، أنا...
رفعت يدي.
أنت عليك الأفعال، لا الكلام.
هز رأسه.
أقدر أساعد بصبغ الحمام؟
كدت أبتسم.

قلت
إذا ما تترك بقع على الأرض.
في ذلك اليوم قرأ حفيداي رسالتهما.
ليس بصوت مرتفع.
جلسا في الغرفة القديمة معاً، والباب مفتوح.
عندما خرجا، احتضنتني زهراء أولاً.
كانت ترتجف.
قالت
سامحني جدو.
أغمضت عيني.
كانت رائحتها رائحة طفولة تكبر بسرعة.
سألتها
على شنو؟
قالت
لأننا كنا نشوفك كأنك مزعج.
اقتربت نور بعدها.
قالت
أنا سمعت ماما تصرخ عليك. كان أقدر أحچي.
قلت
نعم.
آلمها أنني لم أخفف عنها.
لكن الحقيقة تربي أيضاً.
قالت
ما أعيدها.
قلت
أتمنى.
احتضنتهما معاً.
هذا الحضن خرج من قلبي.
ليس لأن كل شيء أُصلح.
بل لأنهما كانتا ما تزالان في الوقت المناسب.
بدأ علاجي جدياً في ذلك الشتاء.
كانت هناك أيام صعبة.
أيام غثيان.
أيام تعب حتى داخل العظم.
أيام اشتقت فيها لأم علي إلى درجة أنني تكلمت مع الهواء كأنها تسمعني.
رافقتني زينب إلى ثلاث مواعيد.
ثم خمسة.
ثم توقفت عن سؤالي إن كان يمكنها الحضور، وصارت تأتي ومعها وشاح وماء ودفتر تكتب فيه كلام الطبيب.
في أحد الأيام، ونحن خارجان من المستشفى، اشترت لي شوربة من مطعم صغير قريب.
قالت
تتذكر لما كنت تجيبني هنا وأنا صغيرة؟
قلت
كنتِ تخافين من إبرة الطبيب.
قالت
وأنت تشتري لي عصير حتى أسكت.
قلت
لأنك كنتِ كثيرة البچي.
ضحكت.
وضحكت أنا أيضاً.
كانت ضحكة صغيرة.
قديمة.
مرممة.
لكنها كانت لنا.
لم أعد أعيش معها أبداً.
وهذا أيضاً يجب أن يُقال.
هناك مسامحات لا تحتاج إلى انتقال بيت.
بقيت في دار الرعاية، أدرّس الشباب عندما يسمح لي جسدي، وأتشاجر مع أم حسين لأنها تخفي أدواتي، وأسقي شجرة
التوت رغم أن العامل يقول إنها لا تحتاج.
تعلمت زينب أن تزورني يوم الجمعة دون أن تنظر إلى الساعة.
أما حيدر فأصلح حمام الورشة وتركه مائلاً قليلاً، لكنه كان نظيفاً.
بدأت نور تفكر بدراسة الخدمة الاجتماعية.
وصنعت زهراء فيديو مدرسياً عن ورشة أم علي وسمته
جدي لم يكن عبئاً.
عندما عرضته عليّ، تظاهرت بالقوة.
ثم بكيت في الحمام.
لم يلتئم كل شيء.
أحياناً كانت زينب تفقد صبرها، فأسمع الجملة القديمة في رأسي
إحنا نتحملك من باب الشفقة.
وأحياناً ينشغل حفيداي، فأعود أشعر أنني غير مرئي.
وأحياناً كنت أنا نفسي أرغب أن أستخدم مرضي كسلاح.
لكنني كنت أنظر إلى صورة أم علي، وأتذكر أن الكرامة لا تعني أن نعاقب الجميع إلى الأبد.
الكرامة أن لا يتخلى الإنسان عن نفسه مرة أخرى.
اليوم عمري ستة وسبعون عاماً.
ما زلت مريضاً.
وما زلت عجوزاً.
وما زلت أنسى أين أضع المفاتيح.
لكنني لم أعد أنسى من أكون.
أنا أبو علي السامرائي.
سباك.
أرمل أم علي.
والد زينب.
جد نور وزهراء.
ومعلم سبعة شباب صاروا يأخذون أعمالاً ويصلحونها من دون أن يتركوا وراءهم تسرباً.
قبل أيام، جاء كرار إلى الورشة ومعه أول صندوق أدوات اشتراه من ماله.
وضعه فوق الطاولة وقال
شوف أبو علي... بعد ما استعرت من أحد.
وضعت يدي على رأسه كأنه طفل، رغم أن شاربه بدأ يظهر.
قلت
هكذا يبدأ الإنسان يصير حراً.
في المساء، جاءت زينب ومعها كليجة، رغم أن الوقت لم يكن وقت عيد.
قالت
اشتهيتها.
جلسنا في فناء الدار.
كانت شجرة التوت عارية.
والشاي صار فاتراً.
أمسكت ابنتي يدي.
قالت
يابا، ذلك
اليوم في المطبخ... أنت قلت إن أمي ما كانت تحچي وياك هيچ.
قلت
نعم.
قالت
كنت محقاً.
نظرت إليها.
قلت
أمچ أيضاً كانت تغضب.
قالت
لكنها ما كانت تتركك تروح وحدك.
لم أرد.
لأن هذه كانت الجرح الحقيقي.
ليس الصراخ.
بل التخلي الذي خلفه.
وضعت زينب جبينها على يدي.
قالت
شكراً لأنك لم ترحل قبل أن أفهم.
شعرت أن أم علي، من حيث هي، تنظر إلينا بتلك النظرة التي تقول أرأيتم يا عنيدين؟
قلت
لا تشكريني بعد. أنا صعب في الرعاية.
ضحكت وهي تبكي.
أعرف.
في تلك المرة احتضنتها.
ليس كما في السابق.
ليس كأب يحمل طفلته.
بل كرجل كبير قرر أن يخفف قليلاً من كبريائه دون أن يسلم كرامته.
صرخت ابنتي في وجهي وقالت إنهم يتحملونني من باب الشفقة.
وفي اليوم التالي اختفيت من دون أن أترك خلفي سوى رسائل.
لكنني لم أرحل كي أموت.
رحلت كي أذكرهم، وأذكر نفسي، أن الرجل قد يبلغ الرابعة والسبعين، وتكون يداه متعبتين، وسمعه ضعيفاً، وتحاليله مقلقة، ومع ذلك لا يكون قطعة أثاث تنتظر زاوية.
تركت رسالة لم يجرؤ أحد على قراءتها بصوت مرتفع لأن الحقيقة، عندما تأتي
متأخرة، يكون لها صدى مؤلم.
طأطأ حيدر رأسه.
وترك حفيداي الهاتف.
وبكت زينب.
وأنا، الذي كنت في ذلك البيت ميتاً قبل أن أموت، تعلمت شيئاً كان يجب أن أتعلمه منذ زمن
العائلة ليست المكان الذي يتحمل فيه الإنسان الإهانة كي لا يبقى وحيداً.
العائلة هي المكان الذي ما زالوا ينادونك فيه باسمك.
حيث يرافقونك إلى الطبيب.
حيث لا تكون كرسيك عائقاً.
وحيث لا تثير يداك العجوزتان الشفقة.
بل تحكي تاريخاً.
وإذا لم
يعد ذلك المكان موجوداً، فمن حق الإنسان أن ينهض، ويغلق الباب، ويبني مكاناً آخر.
حتى لو كان الوقت متأخراً.
حتى لو ارتجفت يده.
حتى لو تألم.
ما دام الإنسان ما زال يتنفس، فما زال بإمكانه أن يذهب ليعيش قليلاً.

تم نسخ الرابط