قالوا إنهم يتحملون أباهم من باب الشفقة... فاختفى في اليوم التالي وترك رسالة غيّرت حياتهم كلها
أجاب المحامي عند الرنة الثانية.
أبو علي... كنت أظن أنك لن تتصل أبداً.
نظرت إلى دفتر أم علي المفتوح فوق ركبتي.
في الصفحة الأولى كانت قائمة كتبتها قبل سنوات بخطها الهادئ
تبديل جلدة الحنفية.
شراء شمعة.
الكلام مع زينب بدون زعل.
كانت أم علي تؤمن دائماً أن كل شيء يمكن إصلاحه بالكلام.
أما أنا فلم أعد أؤمن بذلك.
قلت بصوت متعب
أستاذ علاء... باچر أريد أوقّع.
ساد صمت قصير.
متأكد؟
نظرت إلى الرسائل الثلاث الموضوعة فوق السرير.
واحدة تحمل اسم زينب.
والثانية لحفيدَيّ.
أما الثالثة فكتبت عليها
عندما يسألون عني.
قلت
أكثر من أي وقت مضى.
تلك الليلة لم أنم.
وضعت بدلتين قديمتين في حقيبة صغيرة. أخذت مسبحة أم علي، وصورة زفافنا، وأدويتي، وبطاقتي التقاعدية، وبعض أدوات السباكة الصغيرة، وظرف التحاليل.
لم آخذ أوراق الشقة.
تلك لم تعد تسير معي.
قبل الفجر، أعددت القهوة في مطبخي.
كانت الشقة هادئة، لكنها لم تكن حزينة.
في الخارج بدأت بغداد تستيقظ ببطء. صوت بائع الخبز، ومحرك سيارة قديمة، ورجل ينادي على الخضار في رأس الشارع.
عشت أربعين سنة وسط هذا الصوت.
هنا ربيت زينب.
هنا كانت أم علي تنشر الغسيل في الشرفة الصغيرة بينما أعود أنا من العمل برائحة الحديد والماء والتعب.
هنا خطت ابنتي أول خطواتها وهي تمسك بمفتاح إنجليزي كنت قد أعطيته لها لعبة.
شربت قهوتي.
ثم تركت الرسائل على الطاولة.
لم
ولم أترك مشهداً كبيراً.
فقط أغلقت الشقة بالمفتاح.
ونزلت السلالم ببطء، لأن الركبتين لا ترحمان السنوات، مهما كان الرجل قوياً في شبابه.
كان أبو جاسم، جار الطابق الثاني، يكنس مدخل العمارة.
قال
وين رايح بهالوكت أبو علي؟
قلت
طالع شوي.
للمستشفى؟
ابتسمت بهدوء.
لا... رايح أعيشلي شوي.
نظر إليّ باستغراب.
ولم أشرح له.
أخذت سيارة أجرة إلى مكتب الأستاذ علاء في الكرادة. كانت بغداد تستيقظ بذلك التعب المعروف في الصباح. موظفون يحملون حقائبهم، طلاب ينتظرون النقل، باعة يفتحون محالهم، وسيارات تمر كأنها مستعجلة على حزنها.
استقبلني المحامي بقهوة وأوراق ووجه جاد.
قال
أبو علي، قبل أن توقّع، أريد أعيد عليك معنى هذا القرار.
قلت
احچِ.
قال
أنت تلغي الوصية القديمة. ترفع اسم زينب كوريثة أساسية. تجعل الشقة وقفاً لمشروع الورشة التعليمية التي اتفقنا عليها. مدخراتك تنقسم بين علاجك، وصندوق تعليمي لحفيدَيك إذا طلباهما بنفسيهما عندما يبلغان السن المناسب، وتبرع لدار رعاية كبار السن.
هززت رأسي.
سألته
وزينب؟
خفض صوته.
زينب ستصلها الرسالة فقط.
بقيت أنظر إلى القلم.
كان أنيقاً.
ثقيلاً على يد قضت عمرها تمسك المفكات والمفاتيح والأنابيب الصدئة.
قلت
لا أفعل هذا انتقاماً.
قال
أعرف.
قلت
أنا وأم علي اشترينا هذه الشقة حتى تكون بيتاً. لا جائزة لمن عاملني كأنني حمل زائد.
لم
أشار إلى أماكن التوقيع.
وقّعت.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم مرة ثالثة.
كان اسمي يرتجف، لكنه خرج مني.
أبو علي السامرائي.
سباك.
أرمل.
عجوز.
حي.
بعد ذلك أخذني إلى مكان آخر.
دار هادئة لرعاية كبار السن في بغداد، ليست فخمة، لكنها نظيفة.
كان فيها فناء صغير، وممرات لها درابزين، وممرضة في النهار، وغرفة طعام تفوح منها رائحة الشوربة.
لم أكن أريد أن أذهب إلى دار رعاية.
كانت الكلمة ثقيلة على صدري.
لكن أم حسين، المسؤولة هناك، قالت لي عندما وصلت
إحنا هنا ما نخزّن كبار السن يا أبو علي. إحنا نرافق ناس تعبوا من الوحدة.
شعرت بالخجل.
لأنني أنا أيضاً سمحت لهم أن يتحدثوا عني كأنني عبء.
أعطوني غرفة صغيرة.
سرير واحد.
طاولة خشبية.
نافذة تطل على شجرة توت.
وضعت صورة أم علي قرب كأس الماء.
تمتمت
سامحيني يا أم علي... تأخرت حتى أفهم.
عند الظهر بدأ هاتفي يرن.
زينب.
لم أجب.
ثم حيدر.
ثم حفيدتي الكبرى نور.
ثم زينب مرة أخرى.
عند الخامسة مساءً أرسل لي الأستاذ علاء رسالة
ذهبوا إلى الشقة. وجدوا الرسائل.
جلست على طرف السرير.
كانت يداي تتعرقان.
ليس ندماً.
بل عادة.
طوال عمري كنت أركض عندما تحتاج زينب إلى شيء.
تسرب ماء.
قسط مدرسة.
إطار سيارة.
مشكلة في بيتها.
خصام مع حيدر.
كنت أذهب حتى وأنا مريض.
حتى وأنا لم أنم.
حتى عندما كانت أم علي تقول لي
وأنت؟ أنت أيضاً موجود يا أبو علي.
كنت
في ذلك المساء، ولأول مرة، تركت ابنتي تتصل وتتصل.
وفي بيتها، كما أخبرني المحامي لاحقاً، بقيت الرسالة فوق الطاولة كأنها شيء يخاف الجميع لمسه.
فتحتها زينب أولاً.
كان حيدر واقفاً خلفها.
وكان حفيداي، نور وزهراء، ينظران من الصالة، والهاتف في يد كل واحدة منهما، بين الفضول والحرج.
بدأت الرسالة هكذا
زينب... أمس قلتِ إنكم تتحملون وجودي من باب الشفقة. أشكرك على صراحتك. أحياناً يحتاج الإنسان أن يسمع الحقيقة حتى يتوقف عن التسول العاطفي.
بعد هذا السطر لم يقرأ أحد بصوت عالٍ.
تابعت زينب القراءة وحدها، وشفتاها تتحركان بصمت.
ذهبت إلى بيتك لأن الطبيب طلب مني فحوصات جديدة. لم أكن أطلب مالاً. ولم أكن أطلب أن أعيش معك. أردت فقط أن ترافقيني، كما رافقتك أربعين سنة من دون أن أطلب إذناً.
جلس حيدر بصمت.
وتوقف حفيداي عن النظر إلى الهاتف.
عندما كنتِ صغيرة، كنتِ تخافين من المستشفى. كنت أحملك من باب العمارة حتى عيادة الطبيب، وأنا عائد من عمل طويل. عندما مرضتِ، تركت العمل أياماً وخسرت أجراً كنت أحتاجه. عندما دخلتِ الجامعة، بعت أدوات كنت أحبها حتى أوفر لك ما تحتاجينه. لم أذكّرك يوماً بذلك، لأن الأب لا يفتح دفتر حساب مع أولاده.
بدأت زينب تبكي.
لكنها لم تتوقف.
الشيء الوحيد الذي كان يجب أن أحاسب نفسي عليه هو كرامتي. تأخرت كثيراً.
طلب حيدر أن يقرأ.
لكنها لم تعطه الورقة.
تابعت.
شقتي لن تُباع. ولن تكون لكم. ستتحول إلى ورشة تعليمية باسم أمك ورشة أم علي. سيتعلم فيها شباب لا يجدون من يمسك بأيديهم مهنة يعيشون منها