الرقيه الشرعيه بقلم امانى سيد

لمحة نيوز

وحطيت رجل على رجل، وقولت بنبرة كله ود منتصر
منورين يا جماعة.. ثواني والأكل ينزل، سورة البقرة والرقية شغالين والبركة هتحل علينا كلنا إن شاء الله!
قمت من وسطهم ودخلت المطبخ، وبدأت أرص الأكل على السفرة. الصواني والطواجن نازلة تضرب نار، والريحة تخلي اللي شبعان يجوع، بس النفسية طبعاً مكنتش مستحملة. نقلت الأكل كله وقولت بصوت عالي وودود
اتفضلوا يا جماعة.. السفرة جاهزة، لقمة هنية تكفي مية.
قاموا قعدوا على السفرة وهم لسه تحت تأثير الصدمة والصوت اللي شغال في الخلفية. حطيت في وسط السفرة إزازتنين مية شكلهم عادي جداً زي أي مية، بس اللعبة كانت في دماغي أنا.
بدأنا ناكل في صمت غريب، محدش من سلايفي طالع له صوت، وحماتي بتاكل بلقمة صغيرة وهي بتبص للأكل بشك، كأنها خايفة أكون حاطة لها فيه حاجة، وأنا قاعدة باكل بمنتهى البرود والاستمتاع.
في وسط الأكل، جوزي مد إيده على طبق المحشي، وفجأة شرق وزورق وعطش جداً.. قام من على الكرسي بسرعة ومسك الإزازة الأولى اللي كانت قريبة منه ولسه بيفتح الغطا عشان يشرب..
هنا بقى.. أنا قمت اتنفضت من مكاني وصوتّ فجأة بصوت عالي وخضيت الصالة كلها
لااااااا! حاسب يا أحمد!! بلاش دي.. أوعى تشرب منها!!
أحمد اتخض والإزازة كانت هتقع من إيده، وحماتي سابت الشوكة من إيدها ووشها اتقلب ألوان، وسلايفي اتسمروا في مكانهم واللقمة وقفت في زورهم.
أحمد بصلي بزهول وهو بيكح وقال
في إيه يا ماجدة؟! خضيتيني! الإزازة فيها إيه؟!
أخدت منه الإزازة بسرعة وبمنتهى التمثيل والارتباك المتقن، وقولت وأنا بنهج وببص لحماتي بطرف عيني
معلش يا حبيبي، أصل دي.. دي إزازة مقري عليها رقية شرعية مكثفة ومحطوط فيها مية زمزم وحاجات تانية للتحصين الصعب.. أنا كنت عاملاها مخصوص لغرض معين في دماغي.. ومش عارفة مين بجد اللي طلعها من المطبخ وحطها هنا في وسط الأكل! لخبطة معلش.. اشرب من التانية، التانية مية عادية
من الحنفية!
أحمد بلم وبص للإزازة وبصلي وهو مش فاهم حاجة، وأخد الإزازة التانية وشرب وهو مرعوب.
أما حماتي.. ف النظرة اللي كانت في عينها مفيش كاتب دراما يقدر يوصفها! وشها جاب مية مخرطة، وبقت تبص لإزازة المية المقري عليها برعب حقيقي، وربطت بينها وبين البخور والصوت الزلزال، وافتكرت اللى بتعمله كل اما روحلها وكلهم فهموا انى بردلهم الحركات اللى بيعمولها 
شيلت إزازة المية المقري عليها من على السفرة وأنا حاطاها قدام عينيهم، ورجعت قعدت كملت أكلي بمنتهى الهدوء والتلذُّذ. الصمت اللي حل على السفرة كان صمت قاتل، صمت لغة العيون اللي فيه واضحة أكتر من أي كلام.
حماتي مالت بضهرها لورا وسندت على الكرسي، وبقت تبصلي وعينيها بتلف بين سماعات الصب الكبيرة اللي لسه صوت الرقية طالع منها، وبين طبق الأكل اللي قدامها، وبين إزازة المية. ملامح وشها بدأت تتغير من الخضة والرعب لعلامات الفهم.. اللمبة نورت في دماغها، واستوعبت اللعبة كاملة.
عرفت إن الهوا اللي مش مظبوط، والبخور اللي عمى عينيهم، وصوت الرقية اللي هز الحيطان، وحوار المية المقري عليها.. كل ده مكنش
صدق، ولا كانت مجرد عزومة بتلقائية.. ده كان رد كربون، وبنفس العملة اللي كانت بتعاملني بيها في بيتها، بس على كبير وبدراما تقيلة!
التفتت لسلفتي هناء الكبيرة، ولقيتها بتبص لحماتها بنظرة فيها معنى شُفتي؟ البنت ردتهالك في وشك وبأصول الضيافة كمان. السلايف كلهم سكتوا تماماً، وفهموا إن ماجدة اللي كانوا مفكرينها هبلة وبتعيط ومابتفهمش التلقيح، طلعت أذكى منهم وفهمت كل حركاتهم القديمة، وقررت تديهم درس في الأصول والتحصين مش هينسوه.
حماتي حاولت تلملم كبريائها اللي اتهز على السفرة، وبصتلي وعينها فيها شرار وغيظ مكتوم، بس ممزوج باحترام مفاجئ! لأول مرة تحس إنها واقفة قدام حد مش سهل ومبيسيبش حقه.
سحبت فوطة السفرة ومسحت إيدها بحدة، وقالت بنبرة حاولت تطلعها
قوية بس صوتها كان فيه رعشة غيظ
الحمد لله.. لقمة دايمة يا ماجدة يا بنتي، تسلم إيدك. إحنا كدة أخدنا نصيبنا من البركة والتحصين وزيادة أوي.. قوموا بنا يا بنات يلا عشان نلحق نروح قبل الدنيا ما تليل.
سلايفي قاموا وقفوا في ثانية، كأنهم صدقوا إن الفرج جه وعايزين يهربوا من الشقة اللي بقت محاصرة بالردود الذكية والصوت النفاذ.
وقفت وأنا ببتسم بكل ثقة وفخر، وقولت لها وأنا بلم الصحون
جرى إيه يا ماما؟ ده إنتوا لسه ما شربتوش الشاي بالنعناع! ولا إنتِ وراكِ تحصين تاني في البيت؟ ده أنا قولت القعدة هتحلو وسورة البقرة لسه شغالة أهي ومكملة معانا طول السهرة!
حماتي بصتلي بصه طويلة، ووقفت لفت طرحتها وقالت من تحت ضرسها
لا يا حبيبتي، الشقة كدة عامر بأهله ومتحصن وزي الفل.. مش محتاجين نقعد أكتر من كدة.
مشيت قدامهم لحد الباب وأنا حاسة بانتصار ملوش مثيل، رديت اعتباري من غير ولا كلمة قلة أدب، ومن غير ما جوزي يمسك عليا غلطة واحدة، بل بالعكس.. اتعلموا كلهم إن رجلي لو خطت عتبة بيت حد بعد كدة، يتعملي ألف حساب، والتلقيح له ناس بترده في الوش وبكل أدب!
نزلوا من هنا، والباب اتقفل من وراهم، وأنا حسيت بروحى بترد وبراحة نفسية مكنتش حساها من شهور. أخدت نفس طويل، ولفيت لجوزي اللي كان واقف لسه بيبصلي ومبرق، وقولتله بابتسامة رقيقة أنا هروح ألم السفرة بقى يا حبيبي.
طبعاً حماتي مكنتش هتبلع القلم ده وتنام بيه، كبريائها مسمحلهاش تسكت. أول ما نزلت وركبت العربية مع سلايفي، طلعت تليفونها ونار الغيظ قايدة جواها، واتصلت علطول على ابنها أحمد عشان تشتكيله وتجيب عاليها واطيها.
تليفون أحمد رن وهو قاعد في الصالة، رد وقال
أيوة يا أمي.. وصلتوا بالسلامة؟
جاءه صوت حماتي من الناحية التانية وهو حاد ومخنوق من كتر العياط المصطنع والشكوى
أيوة يا أحمد يا ابني وصلنا.. بس أنا بكلمك عشان أقولك إن مراتك دي معندهاش ريحة الذوق ولا
الأدب! بقى إحنا نروح عندها تعزمنا عشان تبهدلنا؟ مشغلالنا سماعات دي جي في الصالة بسورة البقرة والرقية وتطردنا بالبخور لحد ما اتخنقنا، وكمان حاطالنا مية تقولي مقري عليها ومتشربوش منها! مراتك كانت بتلقح عليا وبتتريق على طريقتي يا أحمد، ومقعدانا على أعصابنا طول اليوم.. يرضيك اللي عملته في أمك ده؟!
أحمد سكت ثواني.. المرة دي مكنش محتاج ماجدة تشرح له ولا تدافع عن نفسها، لأن الكلام اللي أمه بتقوله هو بالظبط نفس الكلام اللي أمه كانت بتعمله مع ماجدة وأحمد نفسه دافع عنه قبل كده!
رد أحمد على أمه بمنتهى العفوية والتلقائية، وبنفس المنطق والردود اللي هو وأمه كانوا بيقمعوا بيها ماجدة زمان، وقال
جرى إيه يا أمي؟ عادي يعني.. إيه اللي مضايقك في تشغيل القرآن والبخور؟ هو القرآن وحش في البيت؟! بلاش سوء الظن ده يا أمي والظن الوحش، دي سورة البقرة والرقية الشرعية بركة وتحصين للمكان!
حماتي صرخت في التليفون بغيظ
يا ابني افهم دي كانت بتعمل كدة قصد وعشان تضايقني أنا بالذات!
أحمد رد ببرود تام وهو مش دريان إنه بيحط الملح على الجرح
يا أمي قصد إيه بس؟ وبعدين ماجدة عملت كدة عشان تفرحك وتعمل برغبتك، لأنها عارفاكي دايماً بتحبي تشغلي سورة البقرة والرقية الشرعية في بيتك وبتخافي من العين، فقالت تعمل زيك بالظبط عشان تحسي إنك في بيتك ووسط أهلك.. تسلم إيدها والله إنها افتكرت حاجة بتحبيها وعملتهالك!
حماتي لقت نفسها اتغلبت بنفس سلاحها، وكلام ابنها قفل المية والنور على أي شكوى تانية ممكن تقولها.. ملقيتش كلمة ترد بيها غير إنها قفلت السكة وهي هطق من الجناب.
أحمد حط التليفون وبصلي وأنا واقفة على باب المطبخ ببتسم بانتصار، وهز رأسه بقلة حيلة وقال والله يا ماجدة إنتوا الستات عليكم حاجات.. بس الأكل كان يستاهل الصب والبخور بصراحة.
ومن اليوم ده، حماتي وسلايفي عرفوا إن ماجدة خط أحمر، وإن اللف والدوران له ناس بتقطعه
من أوله.. وبأصول الضيافة والبركة!

تم نسخ الرابط