الرقيه الشرعيه بقلم امانى سيد

لمحة نيوز

الميعاد، وبنبرة كلها ود وحماس مبالغ فيه قولت لهم
أيوة يا ماما.. أنا بس بكلمك أأكد عليكي ميعاد يوم الجمعة، أصل أنا عاملة حسابي في أصناف معينة وبجهز من دلوقتي، ومش هقبل إن حد يتأخر أو يعتذر.. مستنياكم على نار.
قفلت معاهم وبدأت الترتيبات اللي على أصولها. نزلت السوق واشتريت كل ما لذ وطاب؛ أحسن أنواع اللحوم والخضار، وبدأت في تتبيل الطواجن وعملت صواني الرقاق والمحاشي اللي ريحتها بتجيب لآخر الشارع، عشان محدش يمسك عليا غلطة في الأكل أو يقول إن قصرت في ضيافتهم.
لكن الترتيب الأهم.. مكنش في المطبخ!
ترتيباتي الحقيقية كانت في الصالة وعند باب الشقة.
نزلت مخصوص عند العطار، واشتريت كميات محترمة من البخور، بس مش أي بخور.. جبت فاسوق ومستكة وحرمل وكل الحاجات اللي ريحتها نفاذة جداً وبتقلب الدنيا.
والتجهيز الأكبر بقى كان هندسة الصوت في الشقة! نزلت برنامج لتعديل الصوت، وجمعت عليه سور الرقية الشرعية كاملة، وسورة البقرة، وآيات الحسد والمس، 
وظبطت السيستم وسماعات الصب الكبيرة اللي في الصالة، ووزعت سماعات تانية صغيرة ومخفية في الممرات والاوض بحيث اللي يدخل الشقة، الصوت يحاصره من كل اتجاه وميعرفش يهرب منه!
يوم الجمعة، الشقة كانت زي الفل، والأكل في الفرن وصوته يفتح النفس. جوزي كان قاعد مبسوط وفخور بيا وبشطارتي،
والجو هادي والمسجل مقفول ومفيش أي صوت.
الساعة جاءت دقيقة بعد الصلاة، وجرس الباب رن.
فتحت الباب بابتسامة عريضة تملى الوش، ولقيت حماتي داخلة وفي ديلها سلايفي وعيالهم. سلمت عليهم بحفاوة مبالغ فيها
يا مرحب.. يا ألف نهار أبيض، منورين بيوتكم يا جماعة، اتفضلوا اتفضلوا.
دخلوا وقعدوا في الصالون، وبدأت النظرات المتبادلة بينهم، وكأنهم مستغربين إن الهدوء ده هو اللي مستنيهم. حماتي عدلت قعدتها وبصت حواليها بارتياح كأنها انتصرت، وقالت
تسلم إيدك يا ماجدة يا بنتي، الريحة السابقة واصلة لحد السلم.
هنا بقى.. جاءت لحظة الصفر!
ابتسمت وقولت لها بنبرة ناعمة
ده أقل حاجة لمقامك يا ماما.. ثواني وراجعة لكم.
دخلت المطبخ، وطلعت العدة اللي كنت مجهزاها ورا الباب. المرة دي أنا مش مشغلة كاسيت صغير.. أنا جيبت سماعات الصب الكبيرة بتاعة الكمبيوتر وطلعتها في نص الصالة، وحطيت الفحم على النار لحد ما بقى قايد نار.
وفجأة.. ومن غير أي مقدمات، ضغطت على الزرار!
صوت الصب زلزال هز الحيطان
صوت الشيخ وهو بيقرا سورة البقرة والرقية الشرعية بأعلى طبقة صوت، والبيس بتاع السماعات بيخلي الأرض تترج تحت رجليهم!
حماتي وسلايفي اتخضوا لدرجة إنهم اتنفضوا من مكانهم. وفي نفس اللحظة، دخلت عليهم الصالة وأنا شايلة المبخرة الكبيرة، وحاطة فيها كمية بخور
فاسوق وحرمل ومستكة وكزبرة تكفي منطقة بحالها!
بدأت ألف بالمبخرة حوالين حماتي وسلايفي، والدخان الأبيض الكثيف بدأ يملى الصالة ويغطي على ملامح وشوشهم، لدرجة إنهم بدأوا يكحوا ويدعكوا في عينيهم.
حماتي حطت إيدها على صدرها وبقت تبصلي بذهول وهي مش قادرة تنطق من كتمة النفس وصوت الزلزال اللي شغال، وسلايفي باصين لي وركبهم بتخبط في بعض.
وقفت في نص الصالة، وشلت المبخرة لفوق، وقولت بصوت جهوري وعالي جداً عشان يطلع فوق صوت الصب والرقية
منورة يا ماما! قولت لازم أول ما رجلك تخطي العتبة أعمل بالواجب.. الشقة فجأة دخلها هوا مش مظبوط،
وقولت نحصن المكان والعيال من العين والشر.. مش إحنا ناس بنعرف ربنا برضه ولا إيه؟!
أول ما شوفت علامات الصدمة والذهول الممزوجة بالكحة على وشوشهم، والنجفة بتتهز من صوت الصب، عرفت إن الرسالة وصلت مكتوبة ومقروءة ومتكلّفة كمان.
مشيت ببرود تام، حطيت المبخرة في المطبخ وطفيت الفحم، ورجعت الصالة رحت ناحية الصب، وبكل هدوء وطيت الصوت شوية.. بس قسماً بالله ما قفلته! سبته شغال وواضح، صوته مسموع في كل ركن في الشقة، بحيث يفضل مالي المكان ومحاوطهم طول القعدة.
حماتي كانت لسه بتعدل الطرحة بتاعتها وبتاخد نفسها وصدرها بيعلو ويهبط، وعينيها بتطق شرار، وسلايفي باصين في الأرض وكأن على رؤوسهم الطير. جوزي
جه جري من الأوضة مذهول من الخضة، وبصلي وبص لأمه وقال بزهول
في إيه يا جماعة؟ إيه الدخان والصوت ده كله يا ماجدة؟!
رديت عليه بابتسامة بريئة تطلع من برنسيسة في الرقة
أبداً يا حبيبي، مفيش حاجة.. أنا بس بحصّن البيت وبستقبل ماما والبلسم بتوعنا.. مش إنت برضه قولت لي إن ماما ست بركة وبتحب التحصين لما اللمة تكتر وخايفة من العين؟ أنا بس بنفذ أصول مامتك في بيتي عشان ترتاح وتحس إنها في بيتها التاني.
جوزي بلم، وبص لأمه وبصلي، وملقاش كلمة تتقال.. لف ورجع أوضته وهو مش فاهم حاجة بس حاسس إن في حرب عالمية بتتدارى ورا الابتسامات دي.
حماتي هنا كانت هتموت وتزعق، أو تقلب التربيزة وتعمل مشكلة، بس لقت نفسها محبوسة في نفس الفخ اللي نصبتهولي قبل كده! لو فتحت بقها وقالت إيه اللي بتعمليه ده؟ هقولها ده قرآن ورقية وبخور، هو إنتِ عندك اعتراض على كلام ربنا؟!.. ولو قالت الصوت عالي والدخان خنقنا هفكرها بكلمتها البيت اللي مابيشتغلش فيه القرآن بيبقى مأوى للشياطين.
لقيت سلايفي قاعدين مكلبشين في كراسيهم، ومحدش فيهم قادر يفتح بقه ولا ينطق بحرف، حتى التليفونات مكنوش قادرين يرفعوا عينيهم يبصوا فيها من كتر الإحراج والتوتر. وحماتي عدلت قعدتها وحطت إيدها في جنبها، وعينها بتلف في الشقة بقلة حيلة ونظرة غيظ مكتوم، بس لسانها عاجز عن
الكلام.
قعدت وسطهم بكل ثقة،
تم نسخ الرابط