كنت أظنه أحنّ زوج في الدنيا... حتى نظرت الطبيبة إلى وجهي وقالت: "هذا ليس طبيعيًا!"

لمحة نيوز

دخلنا إلى دورة المياه، وأغلقت ريم الباب خلفنا بالمفتاح.
ثم التفتت إليّ ووجهها كان شاحبًا بشكل لم أره عليها من قبل.
لم تكن نظرة طبيبة سمعت معلومة غريبة.
كانت نظرة إنسانة اكتشفت مصيبة.
قلت لها بصوت متقطع
ريم... ماذا يحدث؟ لماذا فعلتِ هذا؟ الناس في الخارج سيستغربون.
اقتربت مني خطوة.
كانت يدها ترتجف وهي تمسك بذراعي.
قالت بصوت منخفض لكنه حاد
هناء، أريدك أن تركزي معي جيدًا. هل فهد درس طب؟ علاج طبيعي؟ تمريض؟ أي شيء له علاقة بالعظام أو المفاصل؟
هززت رأسي بسرعة.
لا، أبدًا. فهد خريج إدارة أعمال، ويعمل في شركة استثمار في الرياض. هو فقط يحب القراءة ويتابع أشياء كثيرة عن الصحة.
وضعت ريم يدها على فمها وكأنها تمنع نفسها من الصراخ.
ثم قالت
هذا ليس علاجًا يا هناء.
شعرت أن قلبي توقف للحظة.
ماذا تقصدين؟
نظرت في عيني مباشرة وقالت
الذي وصفته لي ليس جلسة عادية، وليس تصحيحًا لوضعية الجسم. الضغط المتكرر بهذه الطريقة، وعلى مدى سنوات، قد يسبب ضررًا خطيرًا في أربطة ومفاصل الحوض وأسفل الظهر. والكارثة أنه يحدث دون تشخيص، ودون إشراف طبي، ودون معرفة حقيقية بما يفعله.
سندت ظهري إلى الجدار.
كان الحمام يضيق حولي.
قلت وأنا أحاول أن أبتسم كأنني أرفض التصديق
لكنني كنت أشعر براحة بعد الجلسة. ظهري لم يعد يؤلمني كما كان.
قالت ريم بسرعة
ليس كل إحساس مؤقت بالراحة يعني أن الشيء صحيح. أحيانًا الجسم يتأقلم مع الخطأ، وأحيانًا الألم ينتقل من مكان إلى آخر، وأحيانًا الإنسان يظن أنه تحسن بينما المشكلة تتراكم في الداخل.
سكتُّ.
كل شيء بدأ يتداخل في رأسي.
كلمات فهد.
ابتسامته.
طمأنينته.
كلمات أمه عن العظام والحمل.
نظرتها الطويلة إليّ بعد كل جلسة.
قلت بصوت خافت
لكن لماذا؟ لماذا قد يفعل بي هذا؟
تنهدت ريم، وكانت تحاول أن تسيطر على أعصابها.
قالت
لا أستطيع أن أحكم قبل الفحص. لكن كلام حماتك الذي حكيته قبل قليل

ليس عابرًا. عندما تقول إن العظام يجب أن تنفتح وإن الولادة ستصبح أسهل، فهذا يعني أنهم يربطون الأمر بالحمل والإنجاب.
كانت الكلمة كافية لتخنقني.
الحمل.
الإنجاب.
سبع سنوات من الأسئلة الصامتة.
سبع سنوات من نظرات الأقارب في المناسبات.
سبع سنوات من جملة تتكرر بطريقة ناعمة لكنها كانت تجرحني كل مرة
الله يرزقكم.
وفهد كان دائمًا يقول لي
لا تهتمين بكلام الناس. كل شيء بيد الله.
كنت أظنه يدافع عني.
كنت أظنه يحمني.
لكن فجأة بدأ كل شيء يبدو مختلفًا.
قلت وأنا أبكي
ريم، لا تقولي إنه كان يفعل هذا لأجل الإنجاب.
أمسكت ريم بيدي وقالت
لا أريد أن أظلمه قبل أن نعرف. لكنني أريدك الآن أن تخرجي معي من هنا. سنذهب للمستشفى فورًا. سنعمل أشعة وفحصًا كاملًا. وبعدها ستعرفين الحقيقة بالأدلة.
قلت بخوف
وفهد؟ سيأتي ليأخذني.
قالت بحزم
لا تخبريه بشيء الآن. أي كلمة قد تجعله يستعد أو ينكر أو يضغط عليك. يجب أن نتصرف بهدوء.
خرجنا من دورة المياه.
كانت الصديقات ينظرن إلينا بدهشة.
حاولت ريم أن تبدو طبيعية، لكنها لم تنجح تمامًا.
قالت لهن
هناء تعبت قليلًا، سأوصلها بنفسي.
إحداهن اقتربت وسألت
هل تحتاجون شيئًا؟
ابتسمت ريم ابتسامة متعبة
لا، فقط هبوط بسيط.
أما أنا فلم أكن أسمع بوضوح.
كنت أرى الوجوه حولي كأنها بعيدة.
ضحكات المطعم التي كانت قبل دقائق تمنحني الدفء أصبحت أصواتًا مزعجة لا أفهمها.
ركبت سيارة ريم.
طوال الطريق كنت أنظر من النافذة.
شوارع الرياض كانت مضيئة، والسيارات تتحرك بشكل عادي، والناس يعيشون حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن داخلي كان ينهار.
سألتها بصوت مكسور
إلى أين نذهب؟
قالت
إلى المستشفى الذي أعمل فيه. سأدخلِك من قسم الطوارئ حتى لا ننتظر كثيرًا.
ثم نظرت إليّ بسرعة وأضافت
ولا تخافي. مهما كانت النتيجة، سنعرف ماذا نفعل.
رن هاتفي فجأة.
ظهر اسم فهد على الشاشة.
فهد 
كان الاسم نفسه الذي كنت
أراه كل يوم فأبتسم.
لكن هذه المرة شعرت أن الهاتف في يدي تحول إلى شيء مخيف.
نظرت إلى ريم.
قالت بهدوء
ردي. افتحي السماعة. كوني طبيعية.
ضغطت على زر الرد.
جاء صوته دافئًا كعادته
هناء، خلصتوا؟ أنا قريب من المطعم، أجي آخذك؟
ابتلعت ريقي.
لا يا فهد... ريم تعبت شوي، وأنا رحت معها المستشفى أطمئن عليها.
ساد صمت قصير.
قصير جدًا.
لكنه كان ثقيلًا.
ثم قال
مستشفى؟ أي مستشفى؟
قالها بهدوء، لكن شيئًا في صوته تغيّر.
قلت بسرعة
لا تقلق، الموضوع بسيط. ضغطها نزل فقط.
قال
أرسل لك السائق؟ أو آتي بنفسي؟
قلت
لا، لا تحتاج. ريم بخير، وبعد قليل ستوصلني.
ضحك ضحكة خفيفة وقال
أنتِ تعرفين أنني لا أحب أن تكوني في المستشفيات وحدك.
كانت الجملة نفسها التي كانت تجعلني أشعر بالأمان.
لكنها هذه المرة جعلتني أرتجف.
قلت
أنا لست وحدي.
قال بعد لحظة
حسنًا. لا تتأخري. أمي حضرت لك عشاء خفيفًا.
نظرت إلى ريم.
كانت عيناها ثابتتين على الطريق، لكنها سمعت الجملة جيدًا.
قلت بصوت بالكاد خرج
إن شاء الله.
أغلقت الهاتف.
وضعت يدي على صدري.
قلت
ريم، أنا خائفة.
قالت
الخوف الآن طبيعي. لكن الأهم أنك بدأتِ تعرفين.
وصلنا إلى المستشفى.
دخلت ريم بثقة، وكل من رآها كان يحييها باحترام.
لأول مرة شعرت أن كونها طبيبة ليس مجرد لقب كانت الصديقات يفخرن به في الجلسات.
كانت الآن طوق نجاة.
أنهت الإجراءات بسرعة.
طلبت لي فحوصات وأشعة.
كنت أتحرك كأنني لست أنا.
كلما طلبوا مني الدخول إلى غرفة أو الوقوف أمام جهاز، كنت أشعر أنني أدخل مرحلة جديدة من الحقيقة.
بعد وقت طويل، جلست في مكتب ريم.
كانت أمامي زجاجة ماء لم أشرب منها.
ويديّ باردتان.
دخلت ريم ومعها ملف كبير.
كان وجهها متماسكًا، لكنني أعرفها جيدًا.
كانت تخفي صدمة.
قالت
هناء، سأشرح لك ببساطة.
وقفت أمام اللوحة المضيئة وعلقت الصور.
لم أفهم التفاصيل الطبية، لكنني فهمت شيئًا واحدًا.
هناك
خلل.
هناك شيء ليس كما يجب.
قالت ريم
يوجد ارتخاء واضح في بعض الأربطة حول منطقة الحوض وأسفل الظهر، وهناك ضغط على مناطق معينة يفسر بعض التنميل والراحة المؤقتة التي كنتِ تشعرين بها. الأمر يحتاج علاجًا طبيعيًا حقيقيًا، ومتابعة دقيقة، وربما إجراءات إضافية حسب رأي الاستشاري.
لم أستوعب سوى كلمة واحدة
ارتخاء؟
هزت رأسها.
نعم. وهذا لا يحدث بهذه الصورة من جلسة أو اثنتين. هذا نتيجة تكرار طويل.
أغمضت عيني.
سبع سنوات.
كل جمعة.
كل مرة كنت أغمض عيني بثقة.
كل مرة كنت أقول له
الله لا يحرمني منك.
وهو كان يبتسم.
قلت بصوت مخنوق
هل كان يعرف؟
قالت ريم
لا أستطيع أن أقول إنه يعرف حجم الضرر. لكن من الواضح أنه كان يفعل شيئًا مقصودًا ومتكررًا، وليس مجرد حركة عشوائية.
ثم أضافت
والأهم من ذلك، كلام والدته يدل على أن الموضوع لم يكن بريئًا تمامًا.
رفعت رأسي.
لم تعد دموعي تنزل.
شعرت ببرود غريب.
قلت
أريد أن أواجهه.
قالت ريم فورًا
ليس وحدك.
قلت
لن أذهب وحدي.
قالت
سأذهب معك. وسنأخذ نسخة من التقرير. لكن قبلها أريدك أن تفهمي شيئًا لا صراخ، لا انهيار، لا تهديد مباشر. نريد أن نعرف الحقيقة من كلامه.
نظرت إليها.
وكيف؟
أخرجت هاتفها وقالت
سأسجل المواجهة. ليس للانتقام، بل لحمايتك. وإذا حاول إنكار كل شيء لاحقًا، يكون هناك دليل على ما قاله.
ترددت لحظة.
ثم هززت رأسي موافقة.
عدنا إلى البيت.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.
الحي هادئ.
والإنارة الخارجية أمام الفيلا تجعل المكان يبدو آمنًا.
كم مرة دخلت هذا البيت وأنا أشعر أنني أدخل حصني؟
كم مرة قلت لنفسي إن المرأة المحظوظة هي التي تجد رجلًا مثل فهد؟
فتحت الباب بالمفتاح.
كانت رائحة البخور تملأ المكان.
وفي الصالة كان فهد جالسًا بجانب أمه.
توقفا عن الكلام فور دخولي.
ابتسم فهد وقام نحوي.
الحمد لله على سلامتك. طمنيني على ريم.
ثم نظر إلى ريم التي دخلت خلفي.
أهلًا
دكتورة ريم، نورتي.
لم ترد ريم بابتسامة.
بقيت واقفة بهدوء.
أما أم فهد فقالت
يا بنتي أخرتِنا عليكِ. العشاء برد.
نظرت إليها.
إلى وجهها الذي كان يبدو حنونًا أمام الناس.
إلى عينيها اللتين كنت أراهما
تم نسخ الرابط