كان الجميع يسخر من ابنة عامل المحارة... حتى حدث ما لم يتوقعه أحد!
تجمدنا جميعًا في أماكننا.
نظرتُ إلى أم رحمة غير مصدّق ما سمعته.
أما ابني فكان يحدق فيها وكأن الزمن عاد به سنوات طويلة إلى الوراء.
قلت لها بتوتر
توأم؟! ماذا تقصدين؟
مسحت دموعها وقالت
سامحوني... عندما رأيت ابنكم اليوم تذكرت كل شيء.
جلسنا جميعًا نستمع إليها.
ثم قالت
كنت أعمل ممرضة في المستشفى يوم وُلد ابنكم، وكانت ليلة صعبة جدًا لا أنساها أبدًا.
سكتت قليلًا ثم أكملت
بعد سنوات طويلة سمعت أكثر من رواية بين العاملين في المستشفى عن طفل قيل إنه اختفى تلك الليلة، وبعضهم كان يؤكد أنه توأم لأحد المواليد.
نظر إليها ابني باهتمام وقال
وهل كنتِ تقصدين أنني ذلك الطفل؟
تنهدت وقالت
هذا ما ظننته لسنوات طويلة، لكنني لم أملك يومًا دليلًا واحدًا يثبت ذلك.
ثم ابتسمت بحرج وأكملت
وعندما رأيتك اليوم عادت إليّ كل الذكريات دفعة واحدة، فاختلطت عليّ الأمور، وعرفت أنني بنيت جزءًا من ذاكرتي على حكايات سمعتها لا على حقائق رأيتها بعيني.
ثم أضافت
المؤكد الوحيد أنني كنت ممرضة في يوم ولادتك، أما حكاية التوأم فكانت مجرد قصة تناقلها العاملون في المستشفى سنوات طويلة دون أي دليل حقيقي.
تنفس الجميع الصعداء.
أما أنا فشعرت أن قلبي عاد لمكانه.
ضحكت رحمة
الحمد لله... أنا خفت أكثر منكم.
وضحكنا جميعًا لأول مرة منذ بداية الجلسة، وكأن التوتر الذي ملأ المكان قبل دقائق قد تبخر تمامًا.
وخلال الحديث اكتشفنا شيئًا أجمل من أي سر قديم.
اكتشفنا أن رحمة كانت تدعو منذ سنوات طويلة بدعاء لا تتركه بعد كل صلاة.
قالت بخجل
كنت أقول دائمًا اللهم ارزقني زوجًا صالحًا يخافك ويعينني على برّ والديّ ويكون سببًا في شفاء أمي.
نظر إليها ابني مبتسمًا.
ثم قال
وأنا كنت أدعو أن يرزقني الله زوجة صالحة هادئة تكون شريكة حياة حقيقية.
نظر كل منا إلى الآخر.
وشعرنا جميعًا أن الله كان يدبر الأمر منذ سنوات.
بعد أيام قليلة تمت الخطبة.
وكان والد رحمة يبكي كلما تذكر أن ابنته التي كانت تحمل أكياس الأسمنت وتساعده في المحارة أصبحت مخطوبة لطبيب ناجح.
أما ابني فكان كلما رآه يقف احترامًا له ويقول
هذا الرجل تعب وربّى وأحسن التربية، وأنا فخور أنني سأكون فردًا من عائلته.
مرت الشهور سريعًا.
وتزوجا في حفل بسيط مليء بالفرح والبركة.
والغريب أن ابني الذي كان يرفض فكرة أن تعمل زوجته أو تكمل تعليمها، كان أول من شجعها بعد الزواج.
قال لي يومًا
يا بابا، الإنسان لما يقابل الشخص الصح تتغير عنده أفكار كثيرة.
قلت
يعني غيرت رأيك؟
ضحك وقال
اللي زي رحمة ما ينفعش أقف في طريق حلمها.
وبالفعل عادت رحمة لدراستها.
وأكملت تعليمها بتفوق.
وكانت تهتم بزوجها وبيتها وابنها الصغير في الوقت نفسه بطريقة أدهشت الجميع.
أما والدها فكلما زارنا ونظر إلى ابنته كان يردد
والله ما ضاع تعب السنين.
وكنت كلما سمعت كلماته أدرك أن الله لا يضيع تعب أحد صدق معه.
بعد سنوات طويلة من تلك الواقعة...
أحيانًا أجلس وحدي في غرفة الانتظار داخل العيادة.
أنظر إلى المرضى وهم يدخلون ويخرجون.
وأراقب ابني وهو يتنقل بين الغرف بثوبه الأبيض.
ثم تقع عيناي على اللوحة المعلقة بجوار الباب.
اسم ابني...
وبجواره اسم رحمة.
فأبتسم دون أن أشعر.
وأعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم البعيد.
اليوم الذي وقف فيه عامل المحارة البسيط أمامي وهو يشعر بالحرج ويطلب مني أن أغلق عليه باب الشقة أثناء العمل.
وقتها ظننت أنه يخفي سرًا.
أو أنه يخشى شيئًا.
أو ربما يفعل أمرًا لا يريد لأحد أن يراه.
لكن الحقيقة كانت أكبر بكثير مما تخيلت.
لم يكن يخفي سرًا.
بل كان يحمي ابنته.
كان يحاول أن يحافظ على كرامتها في زمن أصبح الناس فيه يحكمون على الإنسان من مظهره قبل أخلاقه.
كان يخشى أن يراها أحد وهي تحمل الأسمنت أو
بينما كانت في الحقيقة أكبر من كثير ممن يملكون المال والشهادات والمظاهر.
أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذي رأيتها فيه للمرة الأولى.
فتاة بسيطة.
ملابسها متواضعة.
كلماتها قليلة.
لكنها كانت تحمل في قلبها من الأدب والرضا ما لا يُشترى بالمال.
لم تكن تشكو.
ولم تكن تتذمر.
ولم تكن تنظر إلى ما في أيدي الناس.
كانت تنظر فقط إلى ما عند الله.
كلما رأيتها تدخل العيادة بعد انتهاء عملها وتجلس بجوار زوجها وتساعده في بعض الأمور، أتذكر كلام ابني عندما كان يقول
يا بابا... ربنا لا يعرف المستحيل.
وقتها كنت أظن أن كلامه مجرد تفاؤل.
أما الآن فأدرك أنه كان يتحدث عن يقين حقيقي.
فمن كان يتخيل أن الطبيب الذي رفض عشرات العرائس سيجد زوجته في شقة كان يجري تجهيزها له؟
ومن كان يتخيل أن الفتاة التي كانت تحمل أدوات المحارة بجوار أبيها ستصبح يومًا شريكة حياته؟
ومن كان يتخيل أن دعاءً يخرج من قلب شاب في بلد بعيد...
ودعاءً آخر يخرج من قلب فتاة بسيطة في بيت متواضع...
سيلتقيان بهذه الصورة العجيبة؟
مرت السنوات.
وكبر ابنهما الصغير موسى.
وأصبح يملأ البيت ضحكًا وحركة.
وأحيانًا أراه يجلس في حضن جده عامل المحارة وهو يحكي
فأشعر أن الله جمع في هذا البيت بركات كثيرة لا تُعد.
وبرغم أن