طلب مني زوجي

لمحة نيوز


توقعت.
لم تعرف ماذا تقول.
لأنها كانت ترى صدقه لأول مرة
وترى قذارته أيضًا في الوقت نفسه.
رجل أحبهم فعلًا.
لكنه بنى ذلك الحب فوق خوف قديم وصمت مؤذٍ.
ثم أخرج من جيبه صورة قديمة ووضعها فوق الطاولة.
كانت صورة لسيف وهو يحمل علي طفلًا صغيرًا.
وقال بصوت خافت
كلما كبر علي أصبح يشبهه أكثر.
شعرت أمينة بالقشعريرة.
ولهذا أردت إبعاده؟
أطرق كاظم رأسه ببطء.
في البداية نعم.
ساد الصمت للحظة.
ثم أكمل بصوت مرهق
كنت أراه في كل زاوية من البيت في ضحكته وفي طريقته بالنظر إلي.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت أمينة أن خوف الحاج كاظم من

علي لم يكن كراهية.
بل ذنبًا قديمًا عاد للحياة أمامه كل يوم.
ثم قال فجأة
الأوراق التي أخذتها من الخزنة لا تحتفظي بها هنا.
نظرت إليه بحذر.
ما زلت تخاف منهم؟
رفع عينيه نحوها مباشرة.
وكان الخوف فيهما حقيقيًا هذه المرة.
بعض الرجال لا ينسون ولا يتركون ما يهددهم خلفهم.
مرت أيام ثقيلة بعد تلك الليلة.
الحاج كاظم لم يعد كما كان.
أصبح أكثر هدوءًا.
أقل غضبًا.
وكثيرًا ما يجلس وحده في الحديقة لساعات طويلة، وكأنه يحاول الهروب من أفكاره للمرة الأولى بدل الهروب من الناس.
أما علي
فبدأ يتعامل معه بحذر بعد الشجار.
لكن شيئًا
صغيرًا تغيّر بينهما.
في إحدى الليالي، كان علي يرسم داخل الصالة، حين اقترب منه الحاج كاظم بصمت.
جلس قربه ببطء.
ثم قال
ماذا ترسم؟
رفع علي الورقة بحماس طفولي
أنا وأبي.
نظر كاظم إلى الرسم طويلًا.
ثم سأل بهدوء متردد
أي أب؟
ابتسم علي بعفوية
كلاهما.
وفي تلك اللحظة
انكسرت آخر طبقة قسوة داخل الرجل العجوز.
أخفض رأسه سريعًا حتى لا يراه الطفل.
لكن أمينة، التي كانت تراقبه من بعيد، رأت عينيه تمتلئان بالدموع لأول مرة منذ عرفته.
بعدها بأيام
اتخذت قرارها.
لم تسلّم الأوراق لأحد.
ولم تفتح حربًا مع الرجال الذين ظهرت أسماؤهم
في الملفات.
بل أخذت نسخًا منها، ووضعتها في مكان آمن خارج البيت.
ثم أخبرت الحاج كاظم بشروطها بوضوح
إذا أراد البقاء
فلن يعيش علي خائفًا داخل هذا المنزل مرة أخرى.
وافق دون جدال.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة
بدأ الحاج كاظم يحاول أن يعيش بدل أن يهرب.
وفي إحدى أمسيات بغداد الهادئة، بينما كان صوت الأذان يملأ السماء، جلس علي بجانبه في الحديقة وسأله فجأة
هل كان أبي يحبك؟
ظل كاظم صامتًا طويلًا.
ثم نظر نحو السماء وقال بصوت خافت
أكثر مما أستحق.
وأمينة، التي كانت تسمعهما من بعيد
أدركت أخيرًا أن بعض الأسرار لا تنتهي
بمجرد كشف الحقيقة.
بل تبدأ بعدها حياة كاملة من محاولة التعايش معها.

 

تم نسخ الرابط