طلب مني زوجي

لمحة نيوز


ملأت المكان فورًا.
اقتربت من الموظف الجالس خلف المكتب، ثم وضعت المفتاح أمامه بهدوء.
رفع الرجل رأسه ببطء.
كان عجوزًا بشعر أبيض ونظارة سميكة.
أخذ المفتاح بين أصابعه، وحدق فيه طويلًا دون كلام، وكأنه يعرفه.
ثم سألها بصوت منخفض
ما صلتك بالمرحوم سيف؟
شعرت أمينة بانقباض داخل صدرها.
حتى طريقته في نطق اسم سيف بدت ثقيلة.
كنت زوجته.
ظل ينظر إليها لثوانٍ، ثم طلب هويتها وبعض الأوراق الرسمية لإثبات شخصيتها، قبل أن يختفي داخل غرفة جانبية لعدة دقائق.
وحين عاد، قال بهدوء
الخزنة لم تُفتح منذ وفاة سيف.
ارتجفت أنفاسها دون أن تشعر.
ثم طلب منها أن تتبعه.
نزلت خلفه إلى غرفة صغيرة أسفل المبنى.
وكان هناك صف طويل من الخزن الحديدية القديمة الممتدة على الجدار.
توقف الرجل أمام واحدة منها.
ثم أدخل المفتاح.
وصدر صوت معدني ثقيل جعل قلب أمينة يرتجف بلا سبب واضح.
فتح الباب الحديدي ببطء.
وفي الداخل
لم تجد ذهبًا.
ولا أموالًا.
بل ملفات.
الكثير من الملفات.
عقود شراكة.
تحويلات مالية.
أوراق تخص شركة السامرائي.
وصور قديمة تجمع سيف بالحاج كاظم قبل سنوات طويلة.
كانت الصور مختلفة عما تعرفه.
سيف يبدو أصغر سنًا ويبتسم أكثر.
أما كاظم
فكان ينظر إلى الكاميرا بنفس النظرة الثقيلة التي يحملها اليوم.
لكن أكثر ما شد انتباهها
كان ظرفًا بنيًا صغيرًا كُتب عليه بخط واضح
لأمينة.
شعرت بيدها ترتجف وهي تفتحه.
وفي الداخل رسالة قصيرة بخط سيف
احتفظت بهذه

النسخ لأنني لم أعد أفهم من يمكن الوثوق به.
وتحت الجملة
توقيعه فقط.
لكن الكلمات وحدها كانت كافية لتزرع الرعب داخلها.
لأنها للمرة الأولى بدأت تشعر أن سيف ربما كان خائفًا فعلًا قبل موته.
وقلبها كان يرفض تصديق ذلك.
بين الملفات، وجدت أيضًا دفتر حسابات صغيرًا يحتوي على تحويلات مالية ضخمة بين الشركة وحسابات بأسماء غير مألوفة.
لم تفهم الكثير من التفاصيل.
ولم تكن خبيرة بالأعمال أصلًا.
لكنها فهمت شيئًا واحدًا
سيف لم يخفِ هذه الأوراق عبثًا.
أخذت الرسالة وبعض الملفات المهمة فقط، ثم أغلقت الخزنة من جديد.
وخلال طريق العودة
كانت تشعر أن بغداد كلها أصبحت مختلفة.
الزحام.
أصوات الباعة.
إشارات المرور.
كل شيء بدا بعيدًا ومشوشًا.
وكأنها خرجت من عالم، وعادت إلى عالم آخر لا تعرفه.
وعندما وصلت إلى القصر مساءً
لاحظت الهدوء فورًا.
الحراس بالخارج موجودون كعادتهم.
لكن شيئًا داخل البيت لم يكن طبيعيًا.
صعدت الدرج ببطء.
ثم دخلت غرفة سيف القديمة لتُخفي الأوراق مؤقتًا.
لكنها توقفت فجأة.
الأدراج لم تكن كما تركتها.
أحدهم فتش الغرفة.
اقتربت أكثر.
وجدت الصور القديمة مبعثرة فوق الطاولة.
وبعض الملفات مفتوحة.
ثم انتبهت لشيء آخر.
صورة قديمة كانت تجمع سيف بالحاج كاظم اختفت تمامًا.
وفي تلك اللحظة
سمعت صوت باب القصر الخارجي يُفتح ببطء.
تجمّد جسدها كله.
ثم تبعه صوت خطوات ثقيلة مألوفة داخل الممر.
الحاج كاظم عاد.
أغلقت أمينة الدرج بسرعة،
وأخفت الأوراق داخل حقيبتها بعصبية، بينما كانت الخطوات تقترب ببطء من الغرفة.
ثم توقفت أمام الباب تمامًا.
ساد صمت ثقيل للحظات.
قبل أن يدخل كاظم أخيرًا.
كان يبدو مرهقًا بصورة لم ترها عليه من قبل.
دشداشته الرمادية مجعدة قليلًا، وعيناه غارقتان في تعب واضح، وكأنه لم ينم منذ يومين.
لكن أكثر ما أخافها
أنه لم يبدُ متفاجئًا لرؤيتها داخل الغرفة.
بل نظر حوله بهدوء، ثم قال
كنت أعرف أنك ستدخلين هنا يومًا.
شعرت أمينة بأن قلبها بدأ يخفق بعنف.
لكنها تماسكت وسألته مباشرة
أنت من فتش الغرفة؟
نظر نحو الأدراج المفتوحة للحظات، ثم جلس ببطء فوق الكرسي القديم قرب المكتب.
ولأول مرة منذ عرفته
بدا الحاج كاظم عجوزًا فعلًا.
لا رجل أعمال نافذًا.
ولا شخصًا تخشاه بغداد.
مجرد رجل متعب يحمل شيئًا أثقل منه منذ سنوات.
رفع عينيه نحوها أخيرًا وقال
فتحتِ الخزنة، أليس كذلك؟
لم تجب.
لكنه فهم من صمتها.
أخذ نفسًا طويلًا، ثم مرر يده فوق وجهه بتعب وقال
سيف بدأ يشك بالجميع في آخر فترة.
اقتربت أمينة خطوة نحوه بعصبية
هل كان معه حق؟
رفع رأسه ببطء.
لا أعرف.
وكانت تلك أول مرة تسمعه يقولها.
ثم أكمل بصوت هادئ
دخلنا أعمالًا أكبر منا أموال كثيرة ورجال أخطر مما تخيلنا.
جلست أمينة أمامه دون أن تشعر.
وصوته بدأ يجرّها إلى سنوات لم تكن تعرف عنها شيئًا.
حكى لها كيف بدأت الشركة صغيرة.
وكيف توسعت بسرعة.
وكيف دخل رجال نافذون شركاء غير معلنين في بعض الصفقات.

وفي البداية
كان سيف يظن أن الأمر مجرد فساد مالي عادي، يمكن التعايش معه كما يحدث داخل كثير من الشركات الكبيرة.
لكن مع الوقت
بدأ يكتشف أمورًا لم تعجبه.
تحويلات مشبوهة.
أسماء وهمية.
وأموال تختفي فجأة دون أثر واضح.
سيف أراد الانسحاب.
قالها كاظم بصوت منخفض.
ثم صمت لحظة قبل أن يكمل
لكنه اكتشف متأخرًا أن بعض الأبواب لا تُفتح ثم تُغلق بسهولة.
شعرت أمينة ببرودة تسري في أطرافها.
هل قُتل سيف؟
ظل الحاج كاظم صامتًا لثوانٍ طويلة.
وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطقها.
ثم قال أخيرًا
لا أملك دليلًا لكني لم أصدق يومًا أنها كانت مجرد حادثة.
اختنق صوتها وهي تسأله
وأنت؟ ماذا فعلت؟
خفض نظره نحو الأرض.
وهنا فقط
فهمت أمينة الحقيقة كاملة.
لم يكن قاتلًا.
لكنه خاف.
خاف من الرجال الذين كانوا خلف الشركة.
وخاف على نفسه.
وعلى اسمه.
وعلى أولاده.
فصمت.
وكان ذلك الصمت يطارده منذ ست سنوات كاملة.
شعرت أمينة بالغضب يشتعل داخلها.
إذن تركته يواجه كل شيء وحده؟
أغلق كاظم عينيه للحظة طويلة.
ثم قال بصوت مكسور بالكاد سمعته
كنت جبانًا.
ساد الصمت داخل الغرفة.
حتى الهواء بدا ثقيلًا بصورة مؤلمة.
ثم سألته فجأة
لماذا تزوجتني؟
رفع رأسه نحوها ببطء.
وبدا كأنه يبحث عن طريقة يشرح بها شيئًا قبيحًا وإنسانيًا في الوقت نفسه.
في البداية ظننت أن بقائي قريبًا منكِ ومن علي سيجعلني مطمئنًا.
توقفت أنفاسها للحظة.
لكنه أكمل بسرعة، وكأنه يخشى أن تفهم الأمر بصورة
أسوأ
كنت أريد أن أبقى قريبًا من كل ما تركه سيف خلفه حتى لا تظهر مفاجآت أخرى.
شعرت أمينة بالغثيان للحظة.
لكن كاظم تابع بصوت أكثر هدوءًا
ثم تعلقت بكما أكثر مما
 

تم نسخ الرابط