كانوا يسخرون مني في حفل تخرج أخي... ثم وقف اللواء أمام الجميع وأدى لي التحية العسكرية!

لمحة نيوز

ساد الصمت في ساحة الاحتفال كلها.
لم يكن صمتًا عاديًا.
ولا صمت احترام رسمي.
بل ذلك النوع من الصمت الذي يهبط على المكان عندما تتغير الحقيقة فجأة أمام أعين الجميع.
وقف اللواء سامر الجبوري أمامي بثبات، ويده ما زالت تؤدي التحية العسكرية تحت شمس بغداد الثقيلة.
مئات العيون كانت تحدق بنا.
فم أمي ظل مفتوحًا قليلًا من الصدمة.
أما أبي، فبدا كأن أحدهم سحب الهواء من صدره دفعة واحدة.
وجاسم
الذي كانت شارة النخبة تلمع على صدره بفخر قبل لحظات فقط
بدا الآن ضائعًا تمامًا.
أعاد اللواء سامر قوله بصوت منخفض
لقد عثروا على الرجل الذي كنتِ تطاردينه.
تباطأ نبضي.
لم يتسارع.
التدريب يفعل ذلك بالإنسان.
يجعل الخوف أبرد.
أدق.
وأكثر فائدة.
نهضت من مقعدي بهدوء.
وسألته
أين؟
تغيرت ملامح اللواء سامر.
ليس هنا.
كان الحضور ما زالوا يحدقون بنا دون خجل.
وبدأت الهمسات تنتشر بين الصفوف.
عميلة؟
كانت تطارد من؟
ماذا يحدث؟
استعادت أمي صوتها أخيرًا وقالت
سيادة اللواء أعتقد أن هناك سوء فهم.
نظر إليها اللواء سامر بأدب.
نعم، هناك سوء فهم فعلًا.
ثم أعاد نظره نحوي.
السيارة بانتظارنا.
نظرت باتجاه المنصة، حيث كان خريجو جهاز مكافحة الإرهاب ما زالوا واقفين بانضباط.
حفل تخرج جاسم توقف بسببي.
مرة أخرى.
وكاد ذلك يجعلني أبتسم.
ليس لأنني كنت أريد إحراجه.
بل لأن عائلتي قضت سنوات تتصرف وكأن وجودي لا قيمة له.
والآن
توقف حفل عسكري كامل لأنني موجودة.


كانت المفارقة قاسية إلى حد يشبه الشعر.
قال جاسم بحذر
زينب؟
نظرت إليه.
نظرت إليه فعلًا.
نفس الوقفة الواثقة.
نفس الصورة المصنوعة بعناية.
لكن تحت كل ذلك ظهر شيء لم أره فيه من قبل.
الارتباك.
سألني
من أنتِ؟
فكرت أن أكذب.
عادة قديمة.
إخفاء المعلومات.
تقسيم الحياة إلى ملفات مغلقة.
لكن اللواء سامر كان قد حطم آخر فرصة لي في البقاء مجهولة.
لذلك أجبته بصدق
أنا الشخص الذي توقفتَ عن السؤال عنه.
كانت الجملة أقسى من أي صراخ.
نهض أبي فجأة.
زينب، ماذا يحدث بالضبط؟
أجاب اللواء سامر قبلي
ابنتك خدمت العراق في مهام سرية تابعة لجهاز المخابرات وقيادة العمليات الخاصة لما يقارب عشر سنوات.
رمشت أمي أكثر من مرة.
لا هي تركت الجامعة.
قلت بهدوء
نعم، تركتها.
ثم التقطت حقيبتي.
وبعد ستة أشهر تم تجنيدي.
ساد صمت كامل.
في مكان ما خلفنا، أفلت طفل صغير علمًا عراقيًا من يده.
ظل جاسم يحدق بي كأنه لا يستطيع استيعاب الجملة.
أنتِ كنتِ في المخابرات؟
قلت
سابقًا.
ضحكت حنان ابنة خالتي بتوتر.
معقولة؟ صرنا نحكي أفلام جاسوسية الآن؟
لم يضحك أحد معها.
لأن اللواء سامر لم يكن يمزح.
ولا أنا.
خفض اللواء صوته قليلًا.
يجب أن نتحرك.
أومأت برأسي مرة واحدة.
لكن أبي أمسك معصمي.
لم يكن عنيفًا.
كان يائسًا فقط.
انتظري.
نظرت إلى يده.
فتركها فورًا.
لثوانٍ، ظل يحدق بي فقط.
كأنه يحاول جمع نسختين مختلفتين تمامًا من ابنته.
الفتاة الفاشلة في نظره.
والمرأة
التي أدى لها لواء عسكري التحية أمام الجميع.
سأل بصوت خافت
أي رجل؟
ذلك السؤال غيّر كل شيء.
لأنني في اللحظة التي سمعته فيها، عادت الذاكرة دفعة واحدة.
رصيف مبلل.
نوافذ محطمة.
أصوات إطلاق نار في أزقة ضيقة.
صورة محترقة الأطراف.
واسم واحد.
ناظم السعدون.
الرجل الذي قضيت ست سنوات أطارد أثره بين أكثر من مدينة وحدود وملف مغلق.
نظرت إلى أبي بهدوء.
أنت لا تريد معرفة الجواب.
ثم ابتعدت.
كانت السيارة السوداء تنتظر خلف ساحة المعسكر، قرب صف طويل من الأشجار المتربة.
جلس اللواء سامر في المقعد الأمامي، وجلست أنا في الخلف.
تحرك السائق فورًا.
ولم يتنفس اللواء سامر بعمق إلا بعدما ابتعدنا عن المعسكر.
قال
لم أتوقع أن تأتي اليوم فعلًا.
قلت
كدت ألا آتي.
كان ذلك سيجعل الأمور أسهل.
تأملته بحذر.
كان اللواء سامر الجبوري يبدو أكبر مما كان عليه آخر مرة رأيته فيها.
شيب أكثر عند جانبي رأسه.
تعب أثقل في عينيه.
لكنه ما زال خطرًا.
الرجال مثله لا يصلون إلى قيادة وحدات خاصة إلا إذا تعلموا كيف يتحكمون بالعنف كما يتحكمون بالنفس.
قلت
قلت إنهم وجدوه.
أومأ.
قبل ثمانٍ وأربعين ساعة.
تصلبت كل عضلة في جسدي تلقائيًا.
ناظم السعدون.
ضابط سابق تحول إلى تاجر سلاح.
ومهندس لعمليات قذرة لم تُعلن للناس.
شبح.
لسنوات، فشلت الأجهزة في تثبيته بمكان واحد.
كلما اقتربنا منه، اختفى.
حتى عملية الموصل القديمة.
اشتد فكي.
لاحظ اللواء ذلك.
وتابع
هو الآن
في منطقة حدودية داخل الصحراء الغربية تحت حماية مجموعة مسلحة.
حي.
ما زال حيًا.
وكانت تلك الحقيقة وحدها تبدو شخصية جدًا بالنسبة لي.
لأن ناظم السعدون قبل ست سنوات دمّر فريقي بالكامل.
خمسة عناصر لم يعودوا.
واحد وقع في الأسر.
وأنا تُركت مصابة في زقاق ضيق بينما كانت المباني حولنا تشتعل.
رسميًا، العملية لم تكن موجودة.
وغير رسميًا، كادت تفتح أبوابًا لا يريد أحد الحديث عنها.
دفنوها في الملفات.
ثم أبعدوني بهدوء.
على الأقل أمام الناس.
مدّ اللواء سامر ملفًا سريًا نحوي.
في داخله كانت صور مراقبة غير واضحة.
رجل يخرج من سيارة مصفحة.
أكبر سنًا الآن.
أثقل جسدًا.
لكنه واضح.
ناظم.
والندبة الطويلة قرب فكه أكدت ذلك.
ظللت أنظر إلى الصورة فترة.
واللواء يراقبني بحذر.
قال
نشكل قوة مشتركة.
قلت
أنا متقاعدة.
قال
أنتِ لم تكوني متقاعدة فعلًا.
وكان محقًا.
بعد عملية الموصل، نقلوني إلى عمل تحليلي تحت غطاء مدني.
لا عمليات ميدانية.
لا مواجهة مباشرة.
أوراق وتقارير سرية فقط، بينما يطارد عناصر أصغر سنًا أهدافًا كنت أطاردها بنفسي يومًا.
عقوبة متنكرة في هيئة تعافٍ.
استند اللواء إلى المقعد وقال
بالمناسبة سأل عنك.
نظرت إليه فورًا.
ماذا؟
ناظم.
مرّ برد خطير في داخلي.
قال اللواء
عندما ذكر مصدرنا اسمك أمامه، ضحك.
اشتدت ملامحه.
وقال إن الأعمال غير المكتملة تزعجه.
نظرت من جديد إلى الصور.
أعمال غير مكتملة.
كانت تلك طريقة واحدة لوصف
ست سنوات من الكوابيس.
توقفت السيارة أمام مبنى حكومي مؤمّن يطل على دجلة.
لا لافتات.
لا علامات.
فقط خرسانة مسلحة وحراسة مشددة.
رافقني اللواء سامر عبر أكثر من نقطة تفتيش حتى وصلنا إلى
تم نسخ الرابط