دفنوا ابنهم قبل 8 سنين… لكن الأم شافته حي بعينيها داخل المقبرة ليلة اعتقال الأب
نور أعطيني المفتاح والجميع يخرج حيًا.
أدخلت يدي في حقيبتي.
لمست المفتاح.
ولمست أيضًا جهاز الإنذار الصغير الذي أعطاني إياه سيف، المتصل بهاتف صحفي محلي كان يتابع قضايا الورش المخالفة وحوادث العمال.
سيف لم يعد وحده.
لقد تعلم أن ينجو.
ضغطت الزر.
في البداية لم يحدث شيء.
ابتسم أبي.
قال
ما زلتِ تؤمنين بالمعجزات.
قلت
لا. أؤمن بالأدلة.
رميت المفتاح باتجاه القبر بعيدًا عن جاسم.
تشتت انتباه
لثانية واحدة.
انقض سيف عليه.
انطلق صوت الرصاصة.
تحطمت مزهرية فخارية قرب أحد القبور.
صرخت أمي.
ركضت نحوها، وأسقطتها أرضًا، وغطيتها بجسدي.
كان سيف وجاسم يتدحرجان بين القبور.
وحاول أبي الوصول إلى المفتاح، لكن أمي، أمي الضعيفة، أمي المخدرة، أمي صاحبة الورد الأبيض، أمسكت كاحله بقوة لا أعرف من أين جاءت
قالت له
انتهى.
وصلت الأضواء مثل البرق.
سيارة شرطة.
ثم أخرى.
أصوات.
أجهزة اتصال.
خطوات تركض فوق الحصى.
أفلت جاسم المسدس عندما وجّه أحد عناصر الشرطة سلاحه نحوه.
كان سيف على الأرض، ودم يسيل من حاجبه، لكنه حي.
حي.
حاول أبي الوقوف.
صرخ
أنا حاتم الراوي! أعرف ضباطًا كبارًا. هذا سوء فهم.
اقتربت امرأة بسترة داكنة، وفي يدها ملف.
قالت
من مكافحة الجريمة المنظمة. سوء الفهم كان اعتقادك أن أحدًا لن يفتح هذا القبر.
نظر أبي إليّ.
ولأول مرة في حياتي رأيت الخوف في عينيه.
لم يكن خوفًا من فقدان عائلته.
كان خوفًا من فقدان السيطرة.
فتحوا القبر تلك الليلة نفسها، بوجود شهود وكاميرات.
بين قبور العائلة القديمة كانت هناك علبة معدنية لسيف، مغلفة بالبلاستيك والغبار.
داخلها كانت الذاكرات، والصور،
الميت سيكون سيف والحي يتعلم الطاعة.
سمعت أمي تلك الجملة وهي جالسة على حافة حجرية.
لم تبكِ.
لم يبقَ لديها دمع لأبي.
مع الفجر، كانت المقبرة تفوح برائحة التراب البارد والورد المدعوس.
بدأت العصافير تصدر أصواتها فوق الأسوار، كأنها لا تعرف أن حياة كاملة كاذبة انتهت هنا.
تم تقييد حاتم مع جاسم.
وأمي لم تبعد نظرها عنه وهو يُؤخذ بعيدًا.
اقترب سيف من القبر الذي يحمل اسمه.
مرر أصابعه فوق الحروف الباردة
سيف حاتم الراوي
ابن محبوب
وأخ لا يُنسى
همس
سامحيني.
وقفت بجانبه.
قلت
لا أعرف إن كنت أستطيع أن أسامحك اليوم.
هز رأسه.
أفهم.
قلت
لكن أمي تحتاج أن تحتضنك اليوم. فلا تختفِ مرة أخرى.
أغلق عينيه.
قال
لن
بعد ساعات، خرجنا من المقبرة نحن الثلاثة.
كانت المدينة قد بدأت تستيقظ.
الشوارع تمتلئ ببطء.
المحال تفتح أبوابها الحديدية.
وأصحاب الورش يستعدون ليوم جديد، كأن شيئًا لم يحدث.
لكن بالنسبة لنا، لم يكن يومًا عاديًا.
كانت أمي تمشي بيني وبين سيف، ممسكة بأيدينا، وكأنها تخاف أن يتبخر أحدنا من جديد.
وعند البوابة، التفتت نحو القبر الكاذب.
قالت
غدًا أعود.
شعرت بعقدة في حلقي.
سألتها
إليه؟
هزت رأسها ببطء.
لأزيل الورد. ابني لم يعد يعيش هناك.
انكسر سيف مرة أخرى.
وفهمت أنا أن بعض الأكاذيب تُدفن بصلاة، وحجر، ودموع، لكنها تظل تتنفس تحت التراب حتى يجرؤ أحد على فتح القبر.
في ذلك الصباح، كانت بغداد تفوح برائحة الخبز، والدخان الخفيف، والمطر القديم.
كان أخي الميت يمشي حيًا إلى جانبنا.
وأمي،