دفنوا ابنهم قبل 8 سنين… لكن الأم شافته حي بعينيها داخل المقبرة ليلة اعتقال الأب

لمحة نيوز

أنها صارت مثل المجنونة. أنت لا تعرف هذا.
أخرج سيف من جيبه هاتفًا قديمًا، وفتح مجلدًا أمامي.
كانت هناك صور لأمي عند المقبرة، في السوق، أمام موقف السيارات.
وكانت هناك مقاطع لجاسم وهو يتبعها من بعيد.
قال
لهذا رجعت. أبي لم يعد يراقبها فقط كان يجهّزها.
سألته
يجهّزها لماذا؟
اهتز هاتفي.
كانت أمي.
أجبت ويدي مثل الثلج.
أمي؟
لم ترد هي.
رد أبي.
نور.
كان صوته هادئًا.
وهذا جعله أكثر رعبًا.
قال
أين أنتِ؟
نظرت إلى سيف.
هز رأسه بمعنى لا.
قلت كاذبة
مع صديقاتي.
ضحك أبي ضحكة قصيرة وجافة.
لم تكوني جيدة بالكذب أبدًا. اسمعيني جيدًا. أمك معي. متوترة. تقول إنها تريد الذهاب إلى المقبرة بعد منتصف الليل لأنها حلمت بسيف. صدفة غريبة، صحيح؟
شعرت أن ركبتيّ ضعفتا.
قلت
اتركها.
قال
أنا دائمًا أحميها. أنتم من تجعلونها مريضة.
ومن الخلف سمعت أمي تبكي.
نور
صرخت
أمي!
انقطعت المكالمة.
أغلق سيف عينيه.
قال
سيأخذها إلى المقبرة.
سألته
لماذا؟
قال
لأن هناك ما يستطيع أن يدمّره.
لم أفهم، حتى فتح سيف الكيس الأسود.
كان داخله ملف بلاستيكي، وعدة ذاكرات صغيرة، ومفتاح صدئ عليه ورقة لاصقة.
كانت الورقة مكتوبًا عليها
القبر 42 مقبرة وادي السلام.
قال
قبل أن أهرب، خبأت نسخًا داخل قبر عائلة جدي.
أدلة المعمل، صور جسد سامر، وتسجيل لأبي وهو يتكلم مع الشخص الذي وقّع تقرير التعرف عليّ. لم أستطع إخراجها دون أن يعرف.
سألته
والآن تستطيع؟
نظر إليّ.
الآن وجدتكِ.
لم يكن هناك وقت للتفكير.
ركبنا سيارة أجرة بصمت.
كان السائق يستمع إلى أغنية قديمة بصوت منخفض، ويأكل من كيس مكسرات مفتوح قرب المقود.
مررنا بشوارع بغداد المتأخرة، محلات مغلقة، أضواء مطاعم صغيرة، شباب يقفون قرب سياراتهم، وباعة شاي ما زالوا مستيقظين وكأن الليل لا ينتهي في هذه المدينة.
كنت أنظر إلى كل شيء كأنني أراه للمرة الأخيرة.
وفي المقعد بجانبي، كان سيف يبدو كأنه شبح يحاول أن يعود إنسانًا.
سألته
أمي تعرف شيئًا؟
قال
تشك. الأمهات يشككن قبل أن يعرفن. قبل شهرين وجدت في مكتب أبي ورقة تأمين قديمة باسمي، وإيصالًا من الطب العدلي. ومنذ ذلك الوقت بدأ يعطيها حبوبًا.
تذكرت عينيها المطفأتين.
يديها البطيئتين.
صمتها الطويل أمام صحن الطعام.
أبي لم يكن يعتني بأرملة.
كان يطفئ شاهدة.
وصلنا إلى مقبرة وادي السلام بعد منتصف الليل بقليل.
كان المكان واسعًا ومخيفًا في الظلام، قبور لا تنتهي، ممرات ضيقة، شواهد متقاربة، وهواء بارد كأنه خارج من الأرض نفسها.
لم يكن هناك ريح.
كان هناك خوف فقط.
دفع سيف الأجرة، ودخلنا
من جهة جانبية يعرفها جيدًا.
سرنا بين القبور، بين شواهد قديمة، وورود يابسة، وأحجار مائلة.
ومن بعيد رأيت ضوء هاتف يتحرك.
كان أبي هناك.
واقفًا قرب قبر سيف.
وأمي جالسة أمام الشاهد، شعرها غير مرتب، وسترتها موضوعة على كتف واحد كأنها خرجت من البيت دون أن تعرف أين تذهب.
كانت يداها فوق الورد الأبيض.
بدت مثل طفلة تائهة.
وجاسم كان خلفها.
همس سيف
لا تقتربين.
لكن جسدي لم يعد يسمع.
صرخت
أمي!
رفعت أمي رأسها.
عندما رأتني حاولت الوقوف، لكن جاسم وضع يده على كتفها.
التفت أبي ببطء.
قال
نور دائمًا عنيدة.
ثم رأى سيف.
لم يتفاجأ.
وهذا كان أسوأ شيء.
تنهد فقط، كأنه وجد شيئًا كان يعرف أنه مختبئ.
قال
قلت لك لا ترجع.
نظرت أمي إلى حيث ينظر.
ورأت ابنها الميت.
لثانية كاملة لم تتحرك.
ثم وضعت يدها على صدرها.
ظننت أنها ستسقط.
ظننت أن الألم سيقتلها في تلك اللحظة، أمام القبر الكاذب.
لكن أميرة وقفت.
خطت خطوة.
ثم خطوة أخرى.
قالت بصوت مكسور
سيفي
انهار أخي.
ركض إليها واحتضنها بصوت لم يكن بكاءً ولا كلامًا.
كانت أمي تلمس وجهه، شعره، كتفيه، كأنها تعد عظامه حتى تصدق.
كانت تقول
أنت دافئ أنت حي يا الله، أنت حي.
بكيت أنا أيضًا.
حتى تكلم أبي.
قال
مشهد مؤثر فعلًا. لكنه لا يغيّر شيئًا.
أخرج
جاسم مسدسًا.
تجمّد العناق.
قالت أمي بصوت لم أسمعه منها من قبل
حاتم ماذا فعلت؟
رتّب أبي ياقة سترته.
حتى داخل مقبرة بعد منتصف الليل، كان يريد أن يبدو كأنه يملك المكان.
قال
فعلت اللازم. من أجل هذه العائلة. من أجل الشغل. من أجلكم أنتم، الذين لم تفهموا يومًا كم يكلّف بناء اسم في هذه المدينة.
ترك سيف أمي ووقف أمامها.
قال
قتلت سامر.
قال أبي
سامر كان ميتًا عندما اتخذت قراراتي.
دفنته باسمي.
أعطيته قبرًا أفضل مما كان سيحصل عليه.
خرج من أمي صوت موجوع.
كنت قد أخرجت هاتفي دون أن ينتبه جاسم.
كنت قد شغلت التسجيل منذ ركوبنا السيارة.
سيف طلب مني ذلك قبل أن ننزل.
قال إن أبي لا يستطيع مقاومة تبرير نفسه.
وكان محقًا.
سألته وأنا أرتجف
وابنك؟ هل كان قرارًا أيضًا؟
نظر إليّ أبي باحتقار.
قال
سيف كان ضعيفًا. مثلك. مثل أمك. والضعفاء يغرقون من يعرفون كيف يقودون.
قالت أمي
أنت لم تكن تقود. أنت كنت تخاف منا.
تجمّد حاتم.
هذه الجملة أصابته أكثر من أي اتهام.
قال
اصمتي يا أميرة.
قالت
لا.
خرجت الكلمة صغيرة.
لكنها فتحت الليل كله.
مشت أمي نحو قبر سيف، وانتزعت الورد الأبيض من فوقه.
قالت
ثماني سنوات جئت أبكي على كذبة. ثماني سنوات جعلتني أقبّل حجرًا. ثماني سنوات تقول عني مجنونة
وأنت الوحش الذي كان يقف في مطبخي كل يوم.
رفع جاسم المسدس قليلًا.
قال
أستاذ حاتم
قال أبي
أحضروا المفتاح.
نظر إليّ سيف.
مفتاح القبر.
كان معي.
وأبي عرف ذلك.
قال

تم نسخ الرابط