دفنوا ابنهم قبل 8 سنين… لكن الأم شافته حي بعينيها داخل المقبرة ليلة اعتقال الأب
غطّى سيف فمي بيده فورًا، وهو يحدق نحو الباب المظلم بعينين مرتعبتين، حتى شعرت بأصابعه ترتجف فوق وجهي.
في الخارج، بقي صوت المحرك يعمل لثوانٍ قليلة، ثم انطفأ.
غرق البيت في ظلام ثقيل.
من خلف الشباك، كان ضوء عمود الشارع الأصفر يدخل بالكاد، مقطوعًا بستارة قديمة متسخة.
همس أخي
لا تتنفسين بصوت عالي.
كنت أريد أن أبعد يده وأسأله عن ثماني سنوات من الكذب.
كنت أريد أن أصرخ في وجهه أن أمي ذبلت وهي تبكي عليه، وأن غرفته ما زالت كما تركها، وأننا في كل عيد كنّا نضع صورته وسط الصالة كأنه سيعود في أي لحظة.
لكن في الخارج كان هناك أحد.
وهذا الشخص كان يبحث عنا.
ثلاث طرقات سُمعت على الباب الحديدي.
بطيئة.
واثقة.
سيف قال صوت خشن من الخارج نعرف أنها عندك.
أغلق سيف عينيه.
أنا كنت أعرف ذلك الصوت.
لم يكن صوت أبي، لكنه كان قريبًا منه منذ سنوات.
كان صوت جاسم، الرجل الذي يقود سيارة النقل التابعة لمعمل الأحذية الذي يملكه أبي.
منذ طفولتي كنت أراه يحمل الصناديق في المخزن، وسط رائحة الجلد، والغراء، والغبار، وحرارة المكائن.
كان أبي يقول دائمًا إن جاسم رجل ثقة.
والآن فهمت أن هذه الجملة داخل عائلتنا كانت تعني شيئًا آخر.
همس سيف
من الخلف.
سحبني نحو المطبخ.
كانت هناك باب حديدي قديم يؤدي إلى حوش صغير، مليء بدلاء
رفع سيف قطعة خشب مفكوكة قرب الحائط، وأخرج كيسًا أسود.
قال
البسي هذا.
كانت سترة قديمة واسعة.
همست
ماذا تفعل؟
نظر إليّ بسرعة وقال
أنقذك متأخر.
عاد الباب الخارجي يطرق.
قال جاسم من خلف الحديد
نور أبوكِ يريد يحكي فقط. لا تكبرين الموضوع.
الطريقة التي نطق بها اسمي جمّدت الدم في عروقي.
فتح سيف الباب الخلفي دون صوت.
خلف البيت كان هناك زقاق ضيق، مليء بأكياس القمامة ونباح الكلاب.
ركضنا ونحن منحنيان، ملتصقين بالجدران، بينما انفتح الباب الرئيسي داخل البيت بضربة قوية.
ثم اشتعل الضوء.
سمعنا صراخًا
سيف!
لكن أخي لم يتوقف.
قفزنا فوق حائط قصير وسقطنا داخل حوش بيت مجاور.
صرخت امرأة من الداخل، لكن سيف رفع يده بسرعة وقال
أني مهند يا خالة أم علي آسف!
مهند.
هذا كان الاسم الذي يعيش به.
المرأة لم تفتح الباب.
لكنها أيضًا لم تتصل بأحد.
واصلنا الركض حتى وصلنا إلى شارع أوسع، فمرت سيارة أجرة قديمة.
أدخلني سيف إليها وهو يدفعني تقريبًا.
السائق لم يسأل.
في بغداد، الناس يعرفون أحيانًا متى يسألون ومتى يتركون الطريق يمشي.
نزلنا بعد عشر دقائق قرب أرض فارغة، بعيدة قليلًا عن الشارع العام.
كانت أضواء بغداد تمتد أمامنا كجمر صغير، سيارات متأخرة تمر من بعيد، ومحلات مغلقة،
كان حلقي يحترق.
قلت له
احكِ.
مرر سيف يديه على وجهه.
وتحت ضوء محل مغلق، ظهرت الندبة قرب ذقنه أوضح.
قال
تلك الليلة لم يكن هناك حادث.
قلت بغضب
لا تبدأ بالكذب.
قال بسرعة
كان هناك حريق، نعم لكن الميت لم أكن أنا.
شعرت أن الأرض تتحرك تحتي رغم أنني واقفة في مكاني.
سألته
من كان؟
نظر نحو الشارع قبل أن يجيب
سامر. شاب كان يعمل في معمل أبي. عمره تسعة عشر عامًا. كان يقطع الجلد في مخزن قديم قرب الشورجة. لم يكن هناك أحد يسأل عنه. لا أهل قريبين، ولا سند حسب كلامهم.
انقطع نفسي.
تذكرت التابوت المغلق.
الجنازة السريعة.
أبي وهو يوقع الأوراق، بينما أمي تبكي تحت تأثير المهدئات على كرسي قريب.
سألته بصوت منخفض
أبي قتله؟
ابتلع سيف ريقه.
سامر مات داخل المعمل. مكبس ثقيل ضغط على صدره وهم كانوا يشغلون العمال ليلًا، بدون تسجيل، بدون تأمين، وبدون أوراق، حتى يجهزوا شحنة. أبي لم يكن يريد مشكلة. أنا رأيت كل شيء. وسمعته يقول إن الولد ينفع ميت أكثر من حي.
وضعت يدي على معدتي.
لا.
قال
نعم.
ضغط سيف على أسنانه.
كنت سأبلّغ عنه. كانت عندي صور، وفواتير مزورة، وكشوفات دفع. أبي كان يستخدم صناديق الأحذية لنقل أموال وأوراق. كل شيء يخرج وسط البضاعة باتجاه المحافظات. كراتين أحذية
كانت رائحة الليل مزيجًا من غبار، ودخان بعيد، وزيت قديم.
سألته
وبعدها؟
قال
خدّرني.
سقطت الجملة بيننا كحجر.
في ذلك اليوم تشاجرنا. قلت له إنني سأخبر أمي، ثم أذهب إلى الشرطة. قدّم لي عصيرًا. صحوت وأنا مربوط في المقعد الخلفي لسيارتي، قرب الطريق الخارجي. جسد سامر كان في الأمام، ومعه ساعتي وسلسلتي. وجاسم كان يرش البنزين.
غطيت فمي حتى لا أتقيأ.
سألته
كيف خرجت؟
قال
سائق شاحنة توقف قبل أن تلتهم النار كل شيء. ظللت أركل الزجاج حتى سمعني. أخرجني، لكن ذراعي كانت محترقة وكنت شبه فاقد للوعي. وحين حاولت العودة وصل أبي إلى المستشفى قبلي.
سألته
رآك؟
هز رأسه.
قال لي إذا فتحت فمي، أمي سيصيبها حادث أيضًا. قال إنه دفن ابنًا، ويقدر يدفن زوجة. ثم أراني صورة لكِ وأنتِ خارجة من المدرسة.
نزلت دموعي بلا إذن.
قلت
وتركتنا؟
انكسر وجهه.
كان عمري عشرين سنة يا نور. كنت محروقًا، خائفًا، بلا أوراق، وميتًا رسميًا. كل مرة حاولت أقترب، كان يرسل لي صوركم. أمي في السوق. أنتِ في الجامعة. بيتنا. كنت أظن أن ابتعادي هو الشيء الوحيد الذي يبقيكم أحياء.
صفعته.
ارتد الصوت في الشارع الفارغ.
لم يدافع عن نفسه.
فقط أنزل عينيه.
قال
كنت أستحقها.
كنت أبكي من القهر.
قلت
أمي ماتت معك كل شهر.
قال
أعرف.
صرخت
لا، لا تعرف. أنا رأيتها تتكلم مع حجر في المقبرة. رأيتها تحمل الورد وهي مريضة، وهي متعبة، وأبي يصرخ بوجهها