أخذتني ابنتي لأستلم راتب الحماية… فاكتشفت أنني ميتة رسميًا منذ 3 سنوات!
أن قلبي يتمزق وأنا أراها تخرج من الباب.
لكنني لم أوقفها.
في اليوم التالي ظهر سيف قرب السوق، وهو يحاول سحب مال من حساب تم تجميده بعد البلاغ.
ألقت الشرطة القبض عليه بسبب قضية التزوير والتهديدات والوثائق المزيفة.
أما الرجل الذي كان يرتب الأوراق له، فقد تم القبض عليه بعد أسابيع.
كان كل شيء طويلًا ومتعبًا.
في العراق، عندما تكون فقيرًا، تصبح كل الأمور طويلة
الطوابير، والمراجعات، والأختام، والانتظار، والمعاملات.
اضطررت أن أراجع الأحوال المدنية أكثر من مرة.
أحضرت شهودًا يؤكدون أنني ما زلت حية.
اضطررت أن أثبت أنني لست مدفونة في أي مقبرة.
وكررت اسمي عشرات المرات حتى شعرت أنه تحول إلى دعاء.
أمينة الجبوري.
حية.
موجودة.
غير متوفاة.
حضرت زهراء كشاهد.
جاءت بملفها ونظارتها المستديرة نفسها.
وعندما رأتني قبل الجلسة، احتضنتني.
قلت لكِ لا توقّعي على شيء همست.
وأنتِ أنقذتِ حياتي قلت لها.
هزّت رأسها.
أنتِ كنتِ حية أصلًا الناس فقط توقفوا عن معاملتكِ كذلك.
استغرق تصحيح بياناتي وقتًا طويلًا.
تم إيقاف البطاقة.
وبدأ التحقيق بكل المبالغ التي سُحبت.
وافقت هبة لاحقًا على الإدلاء بأقوالها ضد سيف،
أُجبرت على حضور جلسات متابعة وعلاج، وبقيت القضية مفتوحة لفترة طويلة.
أما حفيداي، فبقيا معي مدة من الزمن تحت متابعة اجتماعية.
لم يكن الأمر سهلًا.
كان عمري ستين عامًا، وفجأة عدت أستيقظ لتحضير الفطور المدرسي، ومتابعة الواجبات، وغسل الملابس، والاستماع إلى كوابيس الأطفال في الليل.
لكن هذه المرة لم أحاول أن أحمل كل شيء وحدي.
طلبت المساعدة.
قبلت الطعام الذي كانت الجارات يرسلنَه.
وتركت أم مصطفى تأخذ الأطفال إلى الحديقة عندما أتعب.
تعلمت شيئًا متأخرًا
ليس كل حب يجب أن نحمله وحدنا.
في إحدى الأمسيات جاءت هبة إلى البيت.
لم تدخل مباشرة كما كانت تفعل سابقًا.
بقيت قرب الباب.
وجهها خالٍ من المساحيق، ويداها فارغتان.
أمي وجدت عملًا في مطعم صغير قالت سأبدأ بإعادة المال. حتى لو كان قليلًا.
كنت أقشر الذرة في المطبخ.
لم أنظر إليها فورًا.
أنتِ لا تعيدين المال فقط.
أعرف.
يجب أن تعيدي الثقة أيضًا والثقة لا تُدفع نقدًا.
أومأت بصمت.
خرجت سارة الصغيرة تركض نحوها.
ماما!
فتحت هبة ذراعيها، لكنها قبل أن تعانقها نظرت إليّ.
كأنها تطلب الإذن دون كلام.
وهذا كان جديدًا.
أومأت
قفزت سارة إلى حضنها.
وبكت هبة بصمت.
أما علي فلم يخرج من غرفته.
كان ما يزال غاضبًا.
ومن حقه ذلك.
بعد أشهر، عندما عاد اسمي رسميًا حيًا في النظام، ذهبت وحدي إلى دائرة الحماية الاجتماعية.
لم أسمح لهبة أن ترافقني.
ركبت الباص وحدي، ومررت بالشوارع نفسها، والبسطات نفسها، والوجوه المتعبة نفسها.
لكنني لم أكن المرأة نفسها.
كانت زهراء ما تزال هناك.
وعندما رأتني ابتسمت فورًا.
خالة أمينة!
عانقتني كأنني واحدة من أهلها.
هذه المرة، عندما كتبت رقمي الوطني، لم تغلق الشاشة.
ابتسمت فقط.
ها هي بياناتكِ.
أدارت الشاشة نحوي.
اسمي.
تاريخ ميلادي.
الحالة فعّالة.
فعّالة.
لم أبكِ يومًا بسبب كلمة إدارية كما بكيت يومها.
وقّعت باسمي.
أنا.
بيدي.
من دون معتمدة.
من دون خوف.
وعندما خرجت اشتريت شايًا ساخنًا وقطعة خبز بالجبن وجلست على مقعد قرب الشارع.
كان الناس ما يزالون يقفون بطوابير طويلة، يحملون ملفات ملونة وأملًا متعبًا بين أيديهم.
فكرت في هبة.
وفي سيف.
وفي السنوات التي عشتها وأنا أظن أن التحمل وحده يكفي.
ثم أخرجت بطاقتي الوطنية من الحقيبة ونظرت إلى صورتي.
لم تكن صورة جميلة.
كنت أبدو متعبة، وشعري
لكنها كانت صورتي.
صورة امرأة حية.
عندما عدت إلى البيت، ركض علي ليفتح الباب.
جدتي هل انتهت قصة موتكِ؟
ضحكت من قلبي لأول مرة منذ شهور.
نعم يا حبيبي انتهت.
عانقتني سارة من خصري.
إذًا لازم نسوي احتفال.
وفعلنا.
احتفال صغير.
رز وفاصوليا وخبز ساخن وشاي ثقيل.
أحضرت أم علي حلوى بسيطة.
وشغّل طارق أغاني قديمة من هاتفه.
وجاءت هبة في آخر الليل تحمل كيس خبز.
لم تدخل مباشرة.
بقيت تنتظر عند الباب.
نظرت إليها من خلف الطاولة.
كان الجرح ما يزال موجودًا.
لكنه لم يعد ينزف بالطريقة نفسها.
ادخلي قلت لكن هنا لا أحد يوقّع بدل أحد.
خفضت رأسها.
حاضر يا أمي.
ودخلت.
بقي البيت صغيرًا.
وبقي الحر قاسيًا في الصيف، والبرد قاسيًا في الشتاء.
وبقي المطر يتسرّب من السقف أحيانًا.
لكنه عاد بيتي.
وعاد اسمي لي.
وعادت حياتي أيضًا.
أخذتني ابنتي إلى دائرة الحماية الاجتماعية وهي تظن أنها ستخرج ببطاقة تحت سيطرتها.
أما أنا فخرجت بحقيقة كادت تقتلني، لكنها أعادت لي شيئًا سُرق مني بالتدريج
صوتي.
لأن بعض الموت لا يحدث في المقابر.
يحدث عندما يقنعكِ أولادكِ أنكِ لم تعودي مهمة.
وبعض العودة
فقط موظفة شريفة أغلقت شاشة الكمبيوتر، وامرأة قالت لا لأول مرة، وتذكرت أنها ما زالت حية.
حية فعلًا.