أخذتني ابنتي لأستلم راتب الحماية… فاكتشفت أنني ميتة رسميًا منذ 3 سنوات!

لمحة نيوز

ابنتي.
نفس الطفلة التي كنت أبيع المناديل والحلوى قرب المدارس حتى أشتري لها حذاء.
نفس الطفلة التي كانت تنام محمومة فوق صدري.
نفسها التي كانت تبكي وتقول
أمي، لا تتركيني.
كلما سمعت أصوات المفرقعات في الأعياد.
هي نفسها كانت مسجلة كمعتمدة عني.
وأنا مسجلة كميتة.
ارتجفت الورقة بين أصابعي.
حاولت هبة أن تسحبها مني، لكن زهراء وقفت بسرعة ووضعت يدها فوق الورقة.
خالة أمينة، احتفظي بها قالت وأرجوكِ لا توقّعي على أي شيء.
احمرّ وجه هبة.
من حضرتكِ حتى تتدخلي بأمور عائلية؟
نظرت إليها زهراء بهدوء غريب، هدوء أسندني أكثر من أي حضن.
عندما تكون امرأة مسجلة متوفاة وشخص آخر يستلم المال باسمها، فالموضوع لا يعود عائليًا فقط.
شعرت أن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
كان سيف واقفًا خارج القاعة، يتظاهر بأنه يتحدث بالهاتف. دخل عندما شعر أن هناك شيئًا حدث.
كان يحمل تلك الابتسامة المعتادة ابتسامة الرجل الذي يظن أن كل شيء يمكن السيطرة عليه.
ماذا حصل؟ سأل.
لم يجبه أحد.
لكنه رأى الورقة بيدي ووجه هبة الشاحب.
اختفت ابتسامته فورًا.
خالتي، أكيد هذا خطأ بالنظام قال تعرفين كيف تحصل هذه الأمور. تعالي ونحن نحلها وحدنا.
لا.
كانت ثاني مرة أقولها خلال دقائق.
الأولى خرجت خافتة.
أما هذه فخرجت بثقل سنوات كاملة.
اقتربت هبة من أذني.
أمي، لا تفعلي هذا هنا. الناس تنظر

إلينا.
نظرت حولي.
نعم، كان الجميع ينظر.
امرأة كبيرة توقفت عن تحريك ملفها بيدها.
رجل يضع شماغًا كان يراقبني وكأنه يسمع خبرًا حزينًا.
فتاة تحتضن أمها وتشد فكها بعصبية.
ولأول مرة لم أخجل من نظرات الناس.
خجلت فقط لأنني كنت غافلة كل هذا الوقت.
زهراء سألت بصوت جاف هل أستطيع أن أعرف أين كان يُصرف الراتب؟
خرج صوت من هبة يشبه الأنين.
ترددت زهراء، ثم ذهبت إلى المشرفة صاحبة السترة العنابية. تحدثتا بصوت منخفض، راجعتا شيئًا على الكمبيوتر، ثم طلبت مني المشرفة أن أجلس على طاولة جانبية.
خالة أمينة، هذا الموضوع يجب أن يتم التبليغ عنه قالت نحن هنا فقط نرشدكِ، لكن يجب أن تراجعي دائرة الأحوال المدنية لتصحيح بياناتكِ، والبنك الذي صدرت منه البطاقة، وتقدمي شكوى رسمية أيضًا.
ضحك سيف بسخرية.
أستاذة، لا تخوفون الناس. خالتي أصلًا لا تفهم بهذه المعاملات.
نظرت إليه.
لسنوات كنت أخاف من طريقته بالكلام.
من سخريته من بيتي.
من طريقته وهو يأخذ مكاني بالتدريج الكرسي، جهاز التحكم، حتى الكلام.
لكن في ذلك اليوم لم أخف.
أفهم بما يكفي لأعرف أن أحدهم كان يستلم المال وأنا ما زلت حية.
بدأت هبة تبكي.
في السابق، كانت دموعها تكسرني.
أما يومها فقد أتعبتني فقط.
أمي، أستطيع أن أشرح لكِ.
اشرحي هنا.
ليس هنا.
بل هنا. هنا بالضبط عرفت أنني ميتة.
ساد الصمت.
حتى الرجل
الذي يبيع الشاي قرب الباب توقف عن صب الأكواب.
غطّت هبة وجهها بيديها.
سيف قال إن الموضوع مؤقت.
نظرت إليها.
وفجأة بدا العالم كله صغيرًا جدًا كأنه اختصر داخل هذه الجملة.
سيف قال.
دائمًا سيف.
سيف قال إن البيت أكبر من حاجتي.
سيف قال إنني أصبحت عجوزًا.
سيف قال إن أحفادي أهم مني.
سيف قال إن الأفضل أن تدير هبة أوراقي.
سيف قال إنني لا أفهم.
مؤقت ماذا؟ سألت.
ابتلعت هبة ريقها.
البطاقة والتسجيل وموضوع الوفاة. كان يعرف شخصًا يستطيع تعديل الأوراق. قالوا إن الأمر لن يضر أحدًا لأنكِ أصلًا غير مسجلة بأي راتب. وقالوا إن كل شيء يمكن إصلاحه لاحقًا.
وحتى موتي كان مؤقتًا؟
لم تجب.
أمسك سيف ذراعها بعنف.
اخرسي.
وقفت زهراء فورًا.
لا تلمسها.
نظرت هبة إلى يد زوجها وهي تمسك ذراعها.
ولأول مرة رأيت شيئًا مختلفًا في عينيها.
لم يكن ذنبًا.
كان خوفًا.
حينها فقط فهمت أن للخيانة وجهين.
وجه هبة وهي تستلم مالي وأنا حية.
ووجه سيف وهو يستخدم خوفها ليحوّلها إلى سارقة.
لكن أيًا من الوجهين لم يخفف ألمي.
استدعت المشرفة شرطيًا كان يقف خارج الدائرة.
لم يرفع صوته.
فقط اقترب وطلب من الجميع الهدوء.
أعطوني كرسيًا وكوب ماء.
لكنني لم أكن أريد ماء.
كنت أريد سنواتي الثلاث.
كنت أريد اسمي حيًا.
كنت أريد ابنتي أن تنظر إليّ كأم لا كمعاملة.
كتبت زهراء على ورقة كل الجهات
التي يجب أن أراجعها.
الأحوال المدنية.
البنك.
الشكوى الرسمية.
وقالت لي ألا أعطي أوراقي الأصلية لأي أحد، وأن أصور كل شيء.
ثم سألتني
هل لديكِ شخص تثقين به؟
فكرت بجاراتي.
بأم علي التي تبيع الفطور قرب المدرسة.
بصديقتي أم مصطفى التي كانت دائمًا تقول إن هبة تستغلني.
بأخي طارق الذي توقفت عن زيارته لأن سيف كان يقول إنه يتدخل كثيرًا.
نعم قلت، رغم أنني تأخرت حتى أتذكرهم.
حاولت هبة أن تجعلني أركب معهم.
أمي، أرجوكِ. نعود إلى البيت ونتحدث.
لن أذهب معكم.
انكسر وجهها.
أنا ابنتكِ.
وأنا أمكِ لا جثتكِ.
خرجت أمشي نحو موقف الباص، والورقة مضغوطة داخل صدري.
كانت شمس بغداد حارقة فوق الإسفلت، والسيارات تمر مسرعة، والناس يركضون خلف يومهم كأن التعب صار جزءًا من أجسادهم.
صعدت إلى الباص ويداي باردتان.
الناس مزدحمون، يحملون أكياسًا وتعبًا وصمتًا.
امرأة كبيرة أعطتني مكانها عندما رأت وجهي الشاحب.
أردت أن أقول لها إنني ما زلت قوية وإنني لست عجوزًا لهذه الدرجة.
لكنني جلست.
ولأول مرة منذ سنوات تركت أحدًا يهتم بي ولو لدقائق.
وصلت إلى البيت وأغلقت الباب بالمفتاح.
اتصلت هبة عشرين مرة.
وسيف عشر مرات.
لم أرد.
ثم بدأ يطرق الباب بعنف.
خالتي! افتحي الباب! لا تعاندي!
جلست على الكرسي أنظر إلى جدران بيتي، وأواني المطبخ القديمة، وصورة أحفادي المعلقة على الثلاجة.

كان ذلك البيت الفقير هو الشيء الوحيد الذي لم يعطني إياه أحد.
والآن فهمت أنهم يريدونه أيضًا.
أمينة! صرخ سيف أنتِ وحدكِ لن
تم نسخ الرابط