قصة قديمة حدث مع عامل النظافة

لمحة نيوز

وفي تلك الليلة…

عدتُ إلى البيت متأخرًا جدًا.

كانت الشوارع شبه فارغة، والمحال تُغلق أبوابها واحدًا تلو الآخر، لكن رأسي كان ممتلئًا بأصوات كثيرة.

تصفيق الناس.

صوت خالد وهو يحكي قصتي.

صورة أم خالد المعلقة بالشريط الأسود.

ورسالتها القديمة التي ما زلت أشعر بحرارة دموعها فوق كلماتها.

دخلت البيت بهدوء حتى لا أوقظ زوجتي.

لكنني وجدتها جالسة تنتظرني.

كانت تعرفني جيدًا.

تعرف أنني حين أصمت طويلًا، فهذا يعني أن قلبي مزدحم بالكلام.

رفعت رأسها نحوي وقالت:

— شكلك تعبان يا عبد الرحمن.

جلست على الكرسي الخشبي القديم قرب النافذة.

نزعت حذائي ببطء، ثم قلت بصوت متعب:

— أول مرة بحياتي أشعر أن الإنسان ممكن يعيش عمر كامل… وما يعرف قيمة الشيء اللي عمله إلا بعد سنين.

اقتربت زوجتي وجلست أمامي.

قلت وأنا أحدق في الأرض:

— تخيلي… كنت أظن أنني أضع مجرد كيس طعام داخل سلة قمامة.

لكن طلع إن الكيس

كان يشتري كتب مدرسة.

ويدفع رسوم جامعة.

ويمنع أطفالًا من الضياع.

ثم سكتُّ لحظة.

وأكملت بصوت مكسور:

— تخيلي يا أم محمود… أم خالد ماتت وهي تدعي لي… وأنا حتى ما كنت أعرف أنها مريضة.

امتلأت عينا زوجتي بالدموع.

وقالت:

— يمكن ربنا أخفى عنك مرضها حتى تبقى نيتك خالصة… ما تساعدها وأنت تنتظر شيئًا بالمقابل.

بقيت صامتًا.

لكن كلماتها بقيت تدور داخل رأسي طوال الليل.

وفي الأيام التالية…

بدأ شيء غريب يحدث.

كلما خرجت إلى الشارع، صرت ألاحظ أشياء لم أكن أراها من قبل.

العجوز الذي يجلس كل يوم أمام الفرن ويطلب نصف رغيف.

الطفل الذي يلمع زجاج السيارات تحت الشمس الحارقة.

المرأة التي تشتري حبتَي طماطم فقط ثم تعيد عدّ النقود عشر مرات قبل أن تدفع.

كأن قصة أم خالد فتحت عينيّ على وجع كان يمر أمامي كل يوم دون أن أنتبه له.

وفي صباح أحد الأيام…

كنت أجلس في المقهى الشعبي القريب من بيتنا.

أشرب الشاي

وأقرأ جريدة قديمة.

وفجأة اقترب مني شاب صغير.

كان يحمل حقيبة على ظهره ويرتدي ملابس بسيطة.

وقف أمامي مترددًا ثم قال:

— حضرتك عم عبد الرحمن؟

استغربت.

قلت:

— نعم.

ابتسم بخجل ومد يده نحوي.

— أنا يوسف… حفيد أم خالد.

تجمدت للحظة.

ثم وقفت بسرعة وسلمت عليه بحرارة.

جلس أمامي وقال:

— أبي خالد حكى لنا عنك كثير… وأنا كنت صغير وقتها وما كنت أفهم.

ثم ابتسم وأضاف:

— لكن الآن فهمت.

كان يشبه أمه بشكل غريب.

نفس العينين المتعبتين.

ونفس الهدوء.

قال يوسف:

— أنا جيت اليوم علشان أعطيك شيء.

أخرج من حقيبته ظرفًا صغيرًا.

فتحته ببطء.

فوجدت بداخله صورة قديمة جدًا.

كانت لأم خالد.

تقف أمام البيت القديم ومعها أطفالها السبعة.

لكن ما جعل يدي ترتجف…

أن الأطفال كانوا يحملون أكياسًا سوداء صغيرة ويضحكون.

قال يوسف بابتسامة حزينة:

— دي كانت أول مرة نشوف فيها أكل كثير بالبيت.

شعرت أن صدري ضاق

فجأة.

اقترب يوسف وقال:

— أمي احتفظت بالصورة طول عمرها.

ثم أضاف بصوت منخفض:

— كانت تعتبر اليوم ده بداية حياتنا الحقيقية.

بقيت أنظر إلى الصورة طويلًا.

الأطفال حفاة تقريبًا.

ملابسهم قديمة.

لكن ضحكاتهم…

كانت أغنى من ضحكات ناس يملكون الدنيا كلها.

وفجأة قال يوسف:

— تعرف يا عم عبد الرحمن؟ أمي كانت تمنعنا حتى من لمس الكيس قبل ما تدعي لك.

ابتسم رغم دموعي.

— كانت تقول: “الرجل ده يمكن تعبان أكثر مننا… فلازم ندعيله”.

وضعت الصورة على صدري وأنا أحاول السيطرة على دموعي.

لكن يوسف لم يكن قد انتهى.

قال:

— في شيء ثاني لازم تعرفه.

رفعت رأسي نحوه.

قال:

— أمي كانت تشتغل بالليل.

استغربت.

— تشتغل إيه؟

أخفض عينيه وقال:

— كانت تنظف بيوت الناس سرًا.

شعرت أن قلبي انقبض.

أكمل:

— كانت تخرج بعد ما ننام… وتنظف السلالم والبيوت حتى الفجر، ثم ترجع قبل ما نصحى، وبعدها تروح على سلة القمامة.

وضعت يدي على وجهي.

لم أعد أحتمل كمية الألم التي حملتها تلك المرأة وحدها.

قال يوسف:

— ومع كل هذا… ما كنا نسمعها تشتكي.

ثم ابتسم بحزن:

— كانت دايمًا تقول: “طول ما أولادي بخير… أنا بخير”.

سكت قليلًا.

تم نسخ الرابط