بعتُ بيتي حتى أنقذ ابنتي… وبعد سنوات أعادته لي البنت التي وصلت يومًا بحذائين مختلفين!

لمحة نيوز

لا تغلقي الخط يا هناء. البيت لم يضع.
شعرت بركبتيّ تضعفان.
خفضت زهراء نظرها، وهي تضم الظرف الأصفر إلى صدرها كأنه شيء حي.
ماذا قلت؟ سألت.
تنفّس حسام على الطرف الآخر. صوته بدا مكسورًا، أكبر من عمره، كأن ثلاثة أشهر حوّلته إلى رجل متعب بعشر سنوات إضافية.
غدًا ستُوقَّع كل الأوراق. البيت سيعود باسمك.
جلست على سرير الشقة المستعارة.
الكراتين كانت ما تزال مكدسة قرب الحائط، مليئة بالملابس، والألعاب، وأدوية سارة القديمة، والصور التي لم أجرؤ على تعليقها لأن المكان كله لم يكن يشعرني أنه لنا.
لا تعبث معي يا حسام.
أنا لا أمزح. زهراء معها كل الأوراق.
نظرت إلى زهراء.
البنت التي جاءت يومًا بحذائين مختلفين كانت تقف الآن أمامي بوجه جاد، وهالات داكنة تحت عينيها، ونفس الربطة البنفسجية في شعرها، كأنها تمسكت بجزء صغير من نفسها حتى لا تنهار.
منذ متى تعرفين بهذا؟ سألتها.
أجاب حسام قبلها
منذ يوم بعتِ البيت.
شعرت بغضب ساخن يصعد إلى صدري.
منذ يوم بعته؟ منذ يوم وقّعت وأنا أبكي؟ منذ يوم خرجت سارة من مستشفى الطفل المركزي بعد العلاج وأنا لا أعرف هل ستبقى حيّة للأسبوع القادم أم لا؟
نعم قالها، ولم يكن في الكلمة أي دفاع.
بدأت زهراء تبكي.
هناء كنت أريد أن أخبرك، لكنني لم أستطع. لو فشل كل شيء كنت سأكسرك مرة ثانية.
أنا كنت مكسورة أصلًا.
صمت حسام.
في الخارج مرّ بائع الخبز بعربته وصوته القديم يملأ الشارع.
خبز حار
ولثانية واحدة تذكرت شارعنا في الكرادة، ورائحة الخبز آخر العصر، والسيارات المكتظة، والبيوت التي تعرف بعضها حتى من صوت الأبواب.
كيف؟ سألت كيف سيعيدون لي بيتًا بعته بيدي؟


وضعت زهراء الظرف في حضني.
شركة البناء لم تشترِه بعد. باعوه لمكتب عقارات صغير، لكن ظهرت مشاكل بالأوراق والتراخيص. كانوا يريدون هدمه وبناء شقق مكانه. أم ياسر عرفت بالموضوع.
أم ياسر.
جارتنا.
المرأة التي كانت تحمل لي الشوربة إلى المستشفى داخل علب بلاستيكية قديمة، والتي كانت تقول دائمًا إن الكرادة قد ينقصها كل شيء إلا الجارة التي تتدخل عندما تحتاجها.
هي دفعت جزءًا قالت زهراء وحسام جزءًا وأنا دفعت ما استطعت.
نظرت إليها.
أنتِ كنتِ تعملين في مقهى.
وبعت حلويات، واعتنيت بأطفال، وحللت واجبات مدفوعة، وطرّزت أسماء على مريلات المدرسة، وغسلت صحونًا في مطعم قريب. كنت أنام قليلًا لكنني كنت أنام.
وضعت يدي على فمي.
لماذا؟
ضحكت ضحكة مكسورة.
لأنك أعطيتِني سريرًا في وقت لم يكن لدي حتى مكان أبكي فيه.
عاد حسام للكلام.
أعرف أن اختفائي كان جبنًا. لا أملك عذرًا. عندما بعتِ البيت شعرت أنني فشلت كزوج وأب وكل شيء. سافرت للعمل، أولًا مع شركة نقل، ثم في خطوط سفر طويلة. كل دينار كان يذهب لهذا.
وظننت أن هذا يعوّض تركي وحدي؟
لا.
تلك الإجابة هدمتني أكثر من أي تبرير.
لا يعوّض شيئًا يا هناء. لكنه الشيء الوحيد الذي استطعت فعله دون أن أعدك بكذبة جديدة.
أغلقت الهاتف دون وداع.
ليس لأنني لم أعد أريد السماع.
بل لأنني لو أكملت، ربما كنت سأسامحه من التعب فقط، وأنا تعلّمت أن التعب يتخذ قرارات سيئة.
اقتربت زهراء ببطء.
غدًا الساعة العاشرة. مكتب الكاتب بالعدل قرب المنصور. لا يجب أن تريه إن كنتِ لا تريدين. لكن يجب أن تأتي إن كنتِ تريدين التوقيع.
وإذا كان كله كذبًا؟
هزت رأسها.
ليس كذبًا.
راجعت كل شيء ثلاث مرات بل أربع، لأنني أول مرة خلطت بين نسخة العقد وقائمة طلبات مطعم.
كدت أضحك.
كدت فقط.
تلك الليلة لم أنم.
كنت أنهض كل ساعة لأتفقد سارة.
شعرها بدأ ينمو بخصلات ناعمة، وبشرتها استعادت بعض الحياة، ووجنتاها عاد إليهما اللون تدريجيًا.
كانت تنام ويدها تحت الوسادة كما كانت تفعل وهي رضيعة.
أما مريم ورنا فكانتا تنامان على فرشتين في الصالة.
كبرتا وسط المستشفيات والديون وصمت الكبار.
أحيانًا كانتا تنظران إليّ كأنهما تريدان السؤال متى سنعود عائلة فعلًا؟
لكن لا واحدة منهما كانت تجرؤ.
في التاسعة وصلت زهراء مع آدم.
لم يعد طفلًا صغيرًا.
كان يرتدي زي المدرسة، ويحمل حقيبة ثقيلة وكيس كعك.
ماما تقول لازم نفطر اليوم، لأن الناس عندما تبكي وهي جائعة يغمى عليها أسرع.
أمك دائمًا راقية جدًا.
وقالت أيضًا ألا أتدخل بكلام الكبار لكنها أخبرتني بكل شيء في سيارة الأجرة.
احمرّ وجه زهراء.
آدم.
ماذا؟ هذا البيت أيضًا جزء من تاريخي. أنا مشيت خطواتي الأولى فيه.
وكان محقًا.
مشى أول خطواته في الصالة، وهو يتشبث بالكنبة الخضراء التي بعناها لاحقًا بثمن قليل لنشتري أدوية سارة.
ذهبنا جميعًا.
لم أستطع أن أترك بناتي خارج شيء يخصهن أيضًا.
كانت بغداد رمادية ذلك الصباح، بسماء منخفضة مليئة بالغبار والرطوبة والازدحام.
السيارات تمر ببطء، والباعة يخرج منهم بخار الشاي عند الزوايا.
كان حسام واقفًا خارج مكتب الكاتب بالعدل.
أنحف.
متعب العينين.
يرتدي قميصًا أبيض واسعًا على جسده، ويداه متشققتان.
لم يحاول احتضاني.
وهذا أنقذ كرامته.
هناء قال.
حسام.
فقط.
في الداخل كانت أم ياسر جالسة.

حضرت بعصا، وأحمر شفاه فاقع، وكيس مليء باليوسفي.
أخيرًا قالت في هذه المدينة حتى المعجزات تحتاج معاملات وأربع نسخ وهوية سكن.
شرح الكاتب بالعدل كل شيء.
الشراء.
القرض.
التنازل.
التبرع الجزئي.
وإلغاء دين لم أكن أعرف أصلًا بوجوده.
أخرجت زهراء ملفًا مليئًا بالفواصل الملونة.
كانت تراجع التواريخ، والأختام، والأسماء، والمبالغ.
البنت التي كانت تنسى هاتفها داخل الثلاجة أصبحت الآن تصحح للمحامي لأن ورقة كتبت هناء كريم دون اسم عائلتي الكامل.
ناقص العبيدي قالت.
راجع الرجل الورقة.
صحيح.
همس آدم في أذني
أمي أصبحت مخيفة داخل المكاتب.
ضغطت شفتي حتى لا أبكي.
وقّع حسام أولًا.
ثم أم ياسر.
ثم زهراء.
وعندما وضعوا القلم أمامي رأيت اسمي كاملًا.
هناء كريم العبيدي.
المالكة.
ارتجفت يدي لدرجة أن الحبر تلطخ قليلًا.
وضعت زهراء يدها على كتفي.
وقّعي يا هناء حان وقت العودة.
وقّعت.
وشعرت أن القلم لا يلامس الورق بل يلامس جرحًا قديمًا.
بعدها ذهبنا إلى البيت.
الشارع تغيّر وبقي كما هو.
مقهى جديد افتتح قرب الزاوية التي كانت فيها عصائر قديمة.
بيتان عُلقت عليهما لافتات للبيع.
لكن البقالة بقيت كما هي، بنفس الثلاجة الحمراء، ونفس القطة النائمة فوق قناني الماء.
كان باب بيتي الخارجي مليئًا بالصدأ.
وأغصان الجهنمية القادمة من بيت الجيران تمددت فوق الحائط كأنها تحاول احتضانه.
أعطتني أم ياسر المفاتيح.
افتحيه أنتِ. أنا فتحت أفواهًا كثيرة حتى يحصل هذا.
لم أستطع إدخال المفتاح من أول مرة.
اقتربت سارة ووضعت يدها فوق يدي.
ماما هذا بيتنا؟
نظرت إليها.
إلى عينيها الحيّتين.
إلى جسدها النحيف لكنه ما
يزال هنا.
إلى تنفسها.
إلى كل شيء كان أثمن من أي جدار.
نعم يا روحي هذا بيتنا.
فتحنا الباب.
وضربتني الرائحة فورًا.
غبار.
رطوبة.
خشب مغلق منذ
تم نسخ الرابط