“جاء ليسكن في بيتي وكأنني متّ… لكنه نسي أن البيت باسمي أنا”
بدأ العمال ينظرون إلى بعضهم بعدم ارتياح.
السائق أشعل سيجارة وهو متكئ على الشاحنة.
الشمس كانت تضرب الكراتين المغلقة، والفراش المربوط، وسرير الطفل المطوي.
كل مشروع اقتحامي كان متوقفًا أمام باب بيتي… مكشوفًا، سخيفًا، وضعيفًا لأول مرة.
عندها تكلمت حفيدتي الكبرى، زهراء.
— جدتي… أنتِ لم تعودي تحبينا؟
شعرت بشيء ينكسر داخلي قليلًا.
نزلت آخر درجة وجلست بمستواها.
ضفيرتها كانت غير مرتبة، ورباط شعرها معقود بطريقة خاطئة.
نفس الطفلة التي طلبت مني قبل أشهر أن أعلمها كيف تخيط زرًا.
نفس الطفلة التي كانت دائمًا تطرق باب الحمام قبل الدخول.
الوحيدة في هذا المشهد التي لم تحاول أن تستولي على شيء.
— حبيبتي — قلت بهدوء — أكيد أحبكم. ولهذا بالذات لا أستطيع أن أسمح لكم أن تتعلموا هذا. حب شخص لا يعطيكم الحق بأخذ مكانه. ولا سريره. ولا راحته. ولا بيته.
نظرت إليّ دون أن تفهم كل شيء… لكن بذلك الصمت الجاد الذي يفهم به الأطفال الحقيقة عندما تمر قريبًا منهم.
وقفت من جديد.
— قلبي لن يُغلق بوجه الأطفال أبدًا. لكن باب بيتي لا يُفتح إلا باحترام. وأنتم اليوم لم تأتوا باحترام.
أطلقت مريم زفرة طويلة.
وضعت يدها على جبينها ثم نظرت حولها:
إلى الكراتين.
إلى الشاحنة.
إلى أمها المتعبة.
إليّ واقفة عند الباب ومعي أوراقي.
وإلى زوجها… الذي بدا فجأة وكأنه شخص لا تعرفه.
— كذبت علينا؟ — قالت له، دون غضب، وذلك أسوأ — فعلًا
— كان واضحًا أنها ستفتعل دراما — رد هيثم — لو قلت لك الحقيقة، كنتِ ستبدئين باعتراضاتك.
أغلقت أم مريم عينيها، كأنها تؤكد شكًا قديمًا.
— شيلوني من خطة هذا الرجل — قالت — أنا لا أدخل بيت امرأة بالقوة. خصوصًا امرأة ما تزال قادرة توقف نفسها أمامنا كلنا.
أمسكت مريم أيدي الأطفال.
— أنا لن أدخل بهذه الطريقة — قالت.
التفت إليها هيثم بصدمة.
— شنو؟
— لن أدخل بهذه الطريقة. لا هنا… ولا في أي مكان نحتاج فيه أن ندوس على امرأة بعمر السبعين حتى نسكن.
اقترب منها خطوة.
— لا تسوين هذا قدام الناس.
— أنت فعلتها أولًا — أجابت.
حلّ صمت آخر.
ليس صمت مفاجأة هذه المرة.
بل صمت انهيار.
فتحت حقيبتي وأخرجت ظرفًا صغيرًا.
— هنا عناوين لشقتين للإيجار أعطتني إياها سعاد. بسيطتان، لكن محترمتان. واحدة قريبة من مدرسة الأطفال. إذا تريدون المعلومات خذوها… وإذا لا، فهذا شأنكم. لكن هذا البيت لن تسكنوه.
مددت الظرف إلى مريم.
ترددت ثانية… ثم أخذته.
لم يكن انتصارًا جميلًا.
الانتصارات لا تكون جميلة عندما يكون الواقفون أمامك أشخاصًا أحببتهم يومًا.
لكنه كان انتصارًا ضروريًا.
نظر إليّ هيثم وكأنني أنا من خنته.
وهنا جاءت أصعب لحظة:
أن أرى في وجهه أنه كان يعتقد فعلًا أنني ملك له.
أن حياتي امتداد لحاجاته.
أن شيخوختي غرفة إضافية داخل زواجه.
أن الأم تبقى متاحة حتى تُدفن.
عندها فقط فهمت أنني لم أخسر ابني
بل خسرت وهمًا.
وهم أن يأتي يوم يراني فيه إنسانة… بدون أن أضع له حدودًا أولًا.
— لا تعودي تكلّميني بهذه الطريقة — قال بين أسنانه.
— إذًا لا تعود تعاملني بهذه الطريقة — أجبت.
بدأ العمال يعيدون الكراتين إلى الشاحنة.
ذهبت أم مريم وجلست بتعب على طرف الرصيف، منزعجة… لكن ليس مني.
أما مريم، فأدخلت الأطفال إلى السيارة بصمت.
وغادرت زوجة أخي وهي تتمتم عن “زمن غريب”، وكأن المشكلة كانت في شخصيتي، لا في اعتياد الناس على دخول حياة المرأة بدون إذنها.
كان هيثم آخر من تحرك.
وقف أمامي على الرصيف، ذراعاه متدليتان ونفسه قصير.
ولثانية واحدة رأيت الطفل الذي كانه يومًا.
ذلك الصغير الذي كان ينتظرني مستيقظًا عندما أعود من تنظيف بيوت الناس.
الذي كان ينام ممسكًا بمريولي عندما لا يجد من يعتني به.
وألمني ذلك لدرجة أنني اضطررت أن أثبت قدمي على الأرض حتى لا أضعف.
— ستندمين على هذا — قال.
هززت رأسي.
— لا. الشيء الوحيد الذي أندم عليه… أنني علمتك لسنوات أنك تستطيع أن تأخذ دون أن تسأل.
صعدت الدرجة الأولى.
ثم الثانية.
وضعت الملف تحت ذراعي.
وقبل أن أدخل، التفت نحوه للمرة الأخيرة.
— المرة القادمة التي تريد أن تراني فيها… دق الجرس أولًا.
وأغلقت الباب.
لم أصفعه.
لم أبكِ.
ولم أنهر في الصالة كما في المسلسلات.
بقيت واقفة خلف الباب، يدي فوق القفل الجديد، أستمع إلى تأخر الشاحنة في المغادرة.
إلى
إلى الضجيج وهو يبتعد تدريجيًا عن رصيفي… وعن صدري.
بعدها دخلت المطبخ.
وضعت الماء للقهوة.
كانت يداي ترتجفان، فجلست دقيقة حتى يغلي الماء.
نظرت إلى الطاولة.
إلى الكنبة.
إلى ماكينة الخياطة.
إلى الأقمشة المرتبة حسب اللون.
كل شيء بقي في مكانه.
ومع ذلك، لم يعد شيء كما كان.
لأن هذه الأشياء لم تعد مجرد أغراض…
بل أصبحت الدليل على أنني ما زلت أملك حق اختيار الحياة التي أريد أن أعيشها.
في تلك الليلة، أرسلت مريم رسالة.
“سامحيني. أنا لم أكن أعرف. شكرًا لأنك قلت الحقيقة رغم أنها تؤلم.”
لم أرد فورًا.
وضعت فقط قلبًا صغيرًا بعد وقت طويل، عندما عاد البيت إلى صمته.
بعد ثلاثة أسابيع، يوم ثلاثاء عند السادسة والربع مساءً، رنّ الجرس.
لم يدخل أحد بدون استئذان.
لم يصرخ أحد باسمي من الباب.
ولم يحاول أحد فتح المقبض وكأن البيت ما يزال ملكه.
بل رنّ الجرس.
ذهبت ببطء.
نظرت من النافذة.
كان هيثم وحده.
يحمل كيس خبز بيده، ورأسه منخفض أكثر مما رأيته منذ سنوات.
لم أفتح فورًا.
تركته ينتظر بما يكفي حتى يفهم أن طرق الباب يعني أيضًا قبول أن الشخص خلفه يملك حق القرار.
وعندما فتحت أخيرًا، لم أفتح الباب كاملًا.
فقط بالقدر اللازم.
— مساء الخير يمّه — قال.
ليس:
“افتحي عدل”.
ولا:
“ابتعدي”.
ولا:
“كل شيء محسوم”.
بل:
مساء الخير يمّه.
ورغم أن الألم لا يختفي بجملة واحدة، عرفت أن شيئًا بدأ يتحرك…
ليس
بل داخله هو.
— مساء النور — أجبت.
— ممكن أدخل؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم نظرت إلى يديه الفارغتين من الغرور… المشغولتين فقط بكيس خبز حلو، يبدو أنه اشتراه بارتباك أكثر من المال.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
كان القرار قراري أنا.