“جاء ليسكن في بيتي وكأنني متّ… لكنه نسي أن البيت باسمي أنا”

لمحة نيوز

تم تعديل الأسماء في نص الرابط بالكامل لتطابق نص الفيس بوك:

وقلت له:

—ما راح يكون في داعي.

ساد صمت غريب، مثل اللحظة اللي تنطفي فيها الموسيقى فجأة بعرس، والكل يتذكر دفعة وحدة وين واقف.

عمّال النقل ظلوا ماسكين الكراتين بأيديهم.

مريم رمشت باستغراب.

أم مريم عقدت حاجبيها.

الأطفال التصقوا بأرجل أمهم.

أما هيثم، فطلع منه ضحك قصير… نفس الضحكة اللي جرحتني قبل أيام.

— يمّه، لا تبدي مرة ثانية — قال وهو يأشر للسائق — دخّلوا الأغراض للصالة بسرعة قبل لا يشتد الحر.

ما تحركت.

ضمّيت الملف إلى صدري ونزلت درجة ثانية.

قلبي كان يدق بقوة، نعم… لكن مو خوف.

كان شيء ثاني.

ذلك الهدوء اليابس الذي يصل للمرأة عندما تفهم أخيرًا أن أحدًا لن يدافع عنها إن لم تفعل هي ذلك بنفسها.

— ولا صندوق واحد راح ينزل — قلت وأنا أنظر إلى الرجال — هذا البيت مو متاح.

أحد العمال التفت نحو هيثم.

والثاني أبقى يده فوق فرشة ملفوفة وانتظر.

واضح أنهم متعودون على مشاكل الناس… لكن مو على عجوز عمرها سبعون سنة تتكلم وكأن قاضيًا واقف خلفها.

صعد هيثم درجة وهو ما يزال يبتسم.

— يمّه، خلّصي من هالتمثيل.

عندها فتحت الملف.

أخرجت أولًا نسخة من سند البيت.

ثم الورقة الرسمية من الكاتب العدل.

ثم إشعارًا فيه الأسماء الكاملة والعنوان والتاريخ.

كل شيء مرتب.

كل شيء مختوم.

كل شيء حقيقي.

— هذا سند البيت باسمي. وهذا المحضر اللي

سجلته أمس. وهذا الإشعار اللي يثبت أنه ما عند أي شخص إذن يدخل أو يسكن أو ينقل أغراضه لهذه الملكية بدون موافقتي.

تقدمت مريم خطوة.

— محضر؟ إشعار شنو؟

لم أنظر إليها.

نظرت إليه هو.

— إشعار بأنكم حاولتم تفرضون عليّ انتقالًا داخل بيتي — قلت — وبناءً على نصيحة قانونية، غيّرت الأقفال البارحة. ومن اليوم، أي محاولة دخول بالقوة تعتبر اقتحام بيت مو بيتكم.

اختفت ابتسامة هيثم ببطء.

ليس دفعة واحدة.

بل مثل قناع بدأ يذوب بعدما فشل في التماسك.

— يعني تهدديني؟ — قال وهو يشد فكه.

— لا. أبلغك فقط.

أخرجت مفاتيح الأقفال الجديدة من الحقيبة ورفعتها قليلًا.

ليس تفاخرًا.

فقط ليعرف أن هناك هذه المرة بابًا مغلقًا بين رغبته… وبين حياتي.

خلفه، أطلت جارتي من خلف السياج.

ثم أخرى.

هذا الشارع دائمًا يعرف كل شيء، لكن لأول مرة لم يهمني الأمر.

بعد سنوات كنت أعيش فيها وأنا أحاول أن لا يقول أحد إن “الأرملة أصبحت صعبة الطباع”، اكتشفت شيئًا بسيطًا:

العار لم يكن عاري.

— هيثم — قالت مريم وهي تنظر إليه — شنو اللي يصير؟

— ولا شيء حبيبتي. أمي تبالغ فقط.

— أبالغ؟ — كررتها، ولأول مرة ارتفع صوتي — المبالغة كانت لو رميت أغراضكم بالشارع. المبالغة كانت لو خليتكم تنزلون كل شيء ثم اتصلت بالشرطة. أنا فقط جهّزت نفسي حتى ما تحاصروني داخل بيتي.

شحب وجه مريم.

— لكنه قال إنكِ تريدين هذا… وإنكِ سعيدة… وإنكِ وحيدة.

عندها

فقط نظرت إليها مباشرة.

— لا يا مريم. أنا لم أقل هذا أبدًا. لم أعرض بيتي عليكم. ولم أوافق على تقاسم الغرف. ولم أقبل أن تأتي والدتك لتعيش هنا. زوجك قرر عني… ويبدو أنه قرر عنك أيضًا.

بدأ الأطفال يتململون.

الصغير سأل إن كان يستطيع إنزال دراجته.

لم يرد عليه أحد.

أما أم مريم، التي بقيت صامتة طوال الوقت، فعدلت عصاها ونظرت إليّ بمزيج من الكرامة والخجل.

لم تبدُ مصدومة مني.

بدت مصدومة منه.

— هيثم — قالت بصوت جاف — أنت قلت لهذه السيدة إننا منتقلون إلى هنا بدون إذن؟

— عفية خالة، لا تتدخلين.

— بل أتدخل. لأنك مو راح تجرجرني مثل قطعة أثاث قديمة حتى تشوف وين تضعني.

هذه لم يكن يتوقعها.

التفت إليها بعصبية قصيرة… نفس العصبية التي يظهرها الرجال عندما تنهار خططهم أمام الناس.

— كنت أحاول أساعد الجميع! — تمتم — حتى نعيش سويّة! حتى نوفر مصاريف! وحتى أمي ما تبقى وحدها!

— لا تستخدم اسمي كحجة — قلت — أنا لم أكن وحيدة يومًا. كنت متعبة، نعم. وكنت ساكتة، وهذا شيء مختلف. لكن وحيدة؟ لا. خصوصًا بعدما تعلمت كيف أرافق نفسي.

لا أعرف إن كانت كلماتي أو نبرتي، لكن لأول مرة رأيت أحفادي ينظرون إليّ لا كجدتهم التي توزع البسكويت… بل كإنسانة كاملة.

وهذا اخترقني من الداخل.

حاول هيثم أن يصعد درجة أخرى.

مد يده نحو الملف.

— أعطيني هذا.

تراجعت قليلًا.

فقط بما يكفي.

— لا تفكر حتى.

— أنا ابنك.

— وأنا أمك.

ولهذا تحديدًا كان يجب أن تعرف أنك تطرق الباب قبل أن تدخل… وتسأل قبل أن تقرر.

تجمد مكانه.

أما أنا، فواصلت.

بعد سنوات طويلة كنت أبتلع الكلام، جاء اليوم الذي تجمعت فيه كل الجمل داخل حلقي دفعة واحدة.

— دفعت لك دراسة الإعدادية عندما قلت إنك لا تريد العمل. بعت أساوري حتى أخرجك من دين لم تشرح لي كيف دخلت فيه. ربيت أطفالك عندما مرضت مريم. أطعمتك، وأعطيتك مالًا ووقتًا وفرصًا وصبرًا. لم أمنعك يومًا من المساعدة. الشيء الوحيد الذي أمنعك منه اليوم… هو الاستغلال.

ارتجفت أصابعي.

ليس ضعفًا.

بل غضبًا قديمًا.

— وهناك شيء آخر.

أخرجت ورقة ثانية من الملف.

وهذه هي التي غيّرت الهواء فعلًا.

— أمس ذهبت أيضًا إلى البنك والكاتب العدل. رتبت أوراقي كلها. وعدّلت وصيتي. بيتي لن يذهب بعد اليوم لأحد فقط بحكم العادة أو لأن المجتمع يعتبر ذلك حقًا للرجل. وفتحت حسابًا لدراسة الأطفال لا يستطيع أحد لمسه لحل مشاكل الكبار غير المسؤولين.

فتحت مريم فمها بدهشة.

أما هيثم، فاحمر وجهه.

— شنو سويتي؟

— الشيء الذي كان يجب أن أفعله من زمان. حماية ما أملك… ووضع اسم واضح لقراراتي.

— معقولة تعاقبيني هكذا بسبب موضوع تافه؟

— الشيء التافه بالنسبة لك كان أن تأتي لتسكن هنا مع زوجتك وأطفالك وحماتك بدون أن تسألني. كان تقسيم بيتي وكأنني مت فعلًا. كان ضحكك عندما ذكّرتك أن هذا البيت أنا من دفع ثمنه. لا يا هيثم… زمن التفاهة

انتهى منذ فترة.

إحدى زوجات إخوتي، التي جاءت بسيارة ثانية “للمساعدة”، حاولت التدخل.

— أختي، مهما يصير تبقى العائلة عائلة.

التفتُّ إليها.

— العائلة ليست مفتاحًا يفتح كل الأبواب.

صمتت فورًا.

تم نسخ الرابط