دفعت لعائلتي طول عمري… لكن الذي فعلوه بوالدي داخل البيت كسر شيئًا بداخلي
المحتويات
المحامي.
رجل بسيط، قصير القامة، يرتدي قميصًا أبيض ونظارة سميكة ويحمل ملفًا جلديًا قديمًا.
لكن هدوءه كان مرعبًا لمن يحاول استغلال الآخرين.
دخل وحيّا أبي وأمي أولًا.
أم سامر أبو سامر.
كادت أمي تبكي عندما سمعت أحدًا يخاطبها بهذا الاحترام.
ثم نظر إليّ.
دكتور سامر.
شكرًا لحضورك.
نظر إلى الحقائب والصناديق وورقة توزيع الغرف وعلبة العصير فوق الطاولة.
وفهم كل شيء دون شرح.
أستاذة هبة، أستاذ كريم هذا البيت ليس ملكًا لكما. وإذا غادرتما بهدوء سنتجنب المشاكل.
عقدت هبة ذراعيها.
أنا ابنتهم.
هز المحامي رأسه.
وهذا لا يعطي حق السكن في أي ورقة رسمية.
قال كريم بسرعة
والدا سامر سمحا لنا.
دخل أبي من الشرفة.
كان واقفًا باستقامة مختلفة هذه المرة.
ربما لأن رؤية البحر أعادت له شيئًا من كرامته.
قال بهدوء
لا. لم نسمح لأحد أن ينتقل للسكن هنا.
نظرت إليه هبة والدموع تملأ عينيها فورًا.
أبي ستفعل هذا بنا؟
تنفس بعمق.
لا يا ابنتي أنتِ من فعل هذا بنا.
بدأت أمي تبكي.
لكن ليس خوفًا هذه المرة.
بل ارتياحًا.
غطّت هبة وجهها بيديها.
ليس لدينا مكان نذهب إليه.
وهنا جاءت الجملة التي كانت تهزمنا دائمًا.
ليس لدينا.
لا نستطيع.
ساعدونا.
وشعرت للحظة بالذنب القديم يعود إلى صدري.
رأيتها طفلة بركبتين مجروحتين تطلب مني ألا أخبر أمي أنها كسرت المزهرية.
ورأيتها مراهقة
ورأيتها بعد زواجها تتصل بي منتصف الليل لأن كريم غارق بالديون.
لكنني رأيت أيضًا أمي واقفة قرب الطاولة.
وأبي ينظر إلى الأرض.
وورقة مكتوب فيها
غرفة الخدمة الجد والجدة.
قلت بهدوء
سأدفع لكما فندقًا لثلاث ليالٍ فقط. وبعدها ابحثا عن بيت أو أي حل آخر. لكنكما لن تبقيا هنا.
توقفت هبة عن البكاء فجأة.
ثلاث ليالٍ فقط؟
نعم.
ضحك كريم باحتقار.
انظروا إليه يشتري ضميره بالمال.
لا قلت أنا أشتري وقتًا للأطفال فقط. أما أنت فلا أدين لك حتى بكأس ماء.
رفع المحامي يده بهدوء.
الأفضل أن تبدآ بإخراج الأغراض.
الساعة التالية كانت ثقيلة جدًا.
الحقائب خرجت كما دخلت.
كريم يتمتم بغضب.
وهبة تبكي بصوت يكفي حتى تسمعه أمي.
أما الطفلان فكانا يسألان إن كانا قد ارتكبا خطأ.
اقتربت أمي منهما، لكن هبة قالت بعصبية
لا تتحدثي معهما.
وهنا استقامت أمي لأول مرة.
أمي نفسها المرأة التي تعتذر حتى عندما يصدمها أحد في السوق.
وقالت بصوت ثابت
لا تستخدمي أحفادي ضدي.
تجمدت هبة.
وأنا أيضًا.
ثم أكملت أمي
أنا أحبهم. لكن هذا البيت ليس جائزة لأحد ولا عقابًا لنا لأننا كبرنا في السن.
اقترب أبي منها وأمسك يدها.
وكان ذلك المشهد أثمن من كل الأوراق التي أحضرتها معي.
عندما خرجت سيارة كريم أخيرًا من أمام البيت، لم يبقَ خلفها سلام.
بل فوضى.
آثار صناديق
رمل قرب الباب.
وبقعة عصير فوق الطاولة.
وغرفة نوم والديّ مبعثرة.
والنخلتان مائلتان كأنهما تعرضتا للدفع.
جلست أمي على الكرسي.
سامحني يا ابني.
خلعت الجاكيت.
فظهرت آثار الدم الجاف على كمّ ملابس العمليات.
رأتها أمي ووضعت يدها على فمها.
كنت قادمًا من العمل.
نعم.
ونحن
اتصلتما بي. وهذا كان الصحيح.
بقي أبي صامتًا.
اقتربت منه.
أبي.
تأخر قبل أن ينظر إليّ.
شعرت بالخجل قال أنت اشتريت هذا البيت حتى نرتاح وأنا سمحت لذلك الرجل أن يرسلني إلى غرفة الخدمة.
وانكسرت نبرة صوته.
ذلك الرجل الذي تحمل سنين طويلة داخل الورشة دون شكوى بكى كطفل متعب.
احتضنته.
ولم أتذكر آخر مرة احتضنته فيها بهذا الشكل.
أنت لم تسمح قلت أنت فقط تعبت.
ثم انضمت إلينا أمي.
وبقينا هكذا وسط المطبخ المليء بالرمل، بينما الهواء القادم من الشط يدخل بهدوء من الشرفة.
وفي الخارج كانت الحياة تكمل طريقها كأن شيئًا لم يحدث.
في صباح اليوم التالي، أخذت أبي وأمي إلى كورنيش البصرة.
لم يكن الهدف التنزه.
كنت فقط أريد أن أُخرجهما من البيت قليلًا، قبل أن يلتصق الخوف بالجدران.
مشينا ببطء قرب الماء.
الهواء كان رطبًا وخفيفًا، وصوت المراكب الصغيرة يأتي من بعيد.
أمي اشترت عصير تمر هندي من بائع يقف قرب الرصيف.
أما أبي فكان ينظر إلى الشط بصمت، وكأنه يحاول أن يستوعب أن البيت ما
جلسنا على مقعد قديم يطل على الماء.
قالت أمي فجأة
لا أريدك أن تكره أختك.
أطلقت تنهيدة طويلة.
أمي
أعرف ما فعلته. لكن تبقى ابنتي.
نظرت إليها.
وأنتِ تبقين أمي. لهذا لن أسمح لأحد أن يهينك مرة أخرى.
أبي هز رأسه بهدوء.
أمك معها حق في شيء واحد لا يجب أن نكرهها. لكن أيضًا لا يجب أن نفتح الباب لها كل مرة.
التفتت أمي نحوه باستغراب.
أما هو فبقي ينظر إلى الماء.
أحبها لكنها لم تعد تعرف حدودها.
وضعت أمي يدها فوق يده.
ذلك المشهد وحده جعلني أشعر أن شيئًا تغيّر أخيرًا.
عدنا إلى البيت عصرًا.
غيّرت الأقفال كلها.
وركّبت كاميرات عند المدخل.
ليس لأنني أريد مراقبة والديّ.
بل لأنني أردت أن يشعرَا بالأمان.
أما المحامي فكتب ورقة رسمية واضحة
لا يحق لأي شخص السكن داخل البيت أو تغيير الغرف أو نقل الأثاث دون موافقة خطية مني ومن والديّ.
وقّعت أمي أولًا.
ثم أبي.
كانت يده ترتجف قليلًا، لكنه وقّع.
قالت أمي بصوت منخفض
هذا ليس ضد هبة.
أجاب المحامي
بل لحمايتكما.
بعد يومين اتصلت هبة.
لم أجب.
ثم بدأت الرسائل.
الأطفال يبكون بسببك.
كريم يقول إنه سيرفع قضية.
أمي تغيرت بسبتك.
أبي لم يعد كما كان.
ثم رسالة أخرى
أنت دائمًا تحاول شراء العائلة بالمال.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
لأنها آلمتني.
ليس لأنها صحيحة.
بل لأنها لمست شيئًا كنت أخاف التفكير فيه منذ
هل كنت أدفع دائمًا حتى أشعر أن لي قيمة داخل البيت؟
في تلك الليلة جلست وحدي في الشرفة.
الهواء الرطب يتحرك بين النخلتين، وصوت الماء يصل خافتًا من
متابعة القراءة