دفعت لعائلتي طول عمري… لكن الذي فعلوه بوالدي داخل البيت كسر شيئًا بداخلي
هذا ما كان يجب أن تسألوا عنه قبل أن تدخلوا أول حقيبة إلى البيت.
وضع كريم علبة العصير فوق الطاولة.
لأول مرة منذ دخلت، اهتزت ابتسامته قليلًا.
هبة أطلقت تنهيدة طويلة، بنفس الطريقة التي كانت تفعلها وهي صغيرة عندما تريد من أمي أن تصدقها قبل أن تسمعني.
يا سامر، لا تبدأ بموضوع الأوراق. لا أحد يسرق شيئًا. نحن فقط نحاول أن نرتب وضعنا.
أخرجتم أبي وأمي من غرفتهما.
لم نخرجهما قالت بسرعة أعطيناهما غرفة أسهل لهما.
نظرت إلى أمي.
كانت تشبك يديها فوق بطنها بقوة.
أما أبي فبقي مطأطئ الرأس.
وفي وجهه رأيت ذلك الانكسار الذي يظهر على الرجال الطيبين عندما لا يريدون الشجار أمام أحفادهم.
فتحت الملف.
أخرجت أول نسخة رسمية ووضعتها فوق ورقة توزيع الغرف.
البيت ليس باسم أمي.
رمشت هبة بسرعة.
ماذا؟
ضحك كريم، لكن ضحكته هذه المرة لم تكن ثابتة.
إذن باسم أبيك. أفضل. الرجال الكبار يفهمون معنى العائلة.
ولا باسمه أيضًا.
وقفت هبة من مكانها.
سامر، لا تبدأ.
البيت باسمي أنا.
امتلأ الصمت بصوت الماء القادم من الشط.
كان الهواء الرطب يدخل من الشرفة ويلتصق بالملابس، ومعه صوت بعيد لطيور النورس.
أما كريم فأمسك علبة العصير من جديد، لكنه لم يشرب.
يا لها من هدية جميلة قال بسخرية تشتري بيتًا لوالديك ثم تكتبه باسمك. فعل نبيل جدًا
نعم قلت لأنني أعرف عائلتي جيدًا.
احمرّ وجه هبة.
ماذا تقصد؟
لا ألمّح. أنا أقول الحقيقة.
أمي أغلقت عينيها.
سامر
لا يا أمي. ليس هذه المرة.
خرج صوتي أقسى مما أردت.
فرأيتها تنكمش قليلًا، وتألمت لذلك.
لم يكن غضبي منها وحدها.
لكن جزءًا منه كان بسببها أيضًا.
لأنها قضت سنوات طويلة تخلط بين السلام وبين التنازل.
وأبي خلط بين الحب وبين الصمت.
أما أنا فكنت أدفع ثمن كل مشكلة حتى لا أراهما يتألمان.
أخرجت ورقة أخرى.
هذا عقد يضمن حق والديّ في العيش هنا طوال حياتهما. يحق لهما استقبال من يريدان والبقاء كما يشاءان. لكن لا يحق لأحد السكن هنا بشكل دائم من دون موافقتي الخطية.
عقد كريم ذراعيه.
هذا لا يعني شيئًا إذا كانا قد سمحا لنا بالمجيء.
رفع أبي رأسه أخيرًا.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
أنا لم أسمح لأحد أن ينتقل للسكن هنا.
التفتت هبة نحوه وكأنه خانها.
أبي.
قلت لكم أن تنتظروا سامر.
لكن أمي قالت إننا نستطيع البقاء عدة أيام.
وضعت أمي يدها على فمها.
قلت عدة أيام فقط يا ابنتي لم أقل أن تخرجي ملابسنا من الغرفة.
تغير وجه هبة.
لم تعد الأخت المظلومة.
عادت تلك الطفلة التي كانت تُضبط دائمًا وهي تخفي الخطأ ثم تبكي قبل الاعتذار.
وماذا كنتم تريدون مني أن أفعل؟ قالت صاحب البيت رفع الإيجار. وكريم لم
ظلم.
ضحكت.
ليست ضحكة جميلة.
بل تلك الضحكة التي تخرج من شخص لم ينم منذ يوم كامل.
الظلم هو أن يعمل أبي وأمي أربعين سنة، ثم ينتهيان خائفين داخل مطبخهما لأنك دخلتِ مع الحقائب وقرر زوجك أن غرفة نومهما أصبحت لكما.
ضرب كريم الطاولة بيده.
لا تتحدث مع زوجتي بهذه الطريقة.
تقدمت نحوه خطوة.
إذن أخرجها من البيت الذي ليس لها.
همست أمي باسمي بخوف.
كان كريم طويلًا وعريض الكتفين، من النوع الذي يعتمد على صوته العالي وجسمه لإخافة الناس.
أما أنا فكنت مرهقًا، ولم أنم منذ ساعات طويلة، ويدي تؤلمني من العمليات.
لكنني لم أتراجع.
ليس لأنني أردت شجارًا.
بل لأن أبي وأمي كانا ينظران إليّ.
وهذه المرة كانا يحتاجان أن يريا أحدًا ثابتًا.
أشار كريم نحو الملف.
وماذا ستفعل؟ هل سترمي أبناء أختك في الشارع؟
لا. سأخرج شخصين بالغين استخدما أطفالهما كمفتاح.
فتحت هبة فمها بغضب.
نحن عائلتك.
وأبي وأمي أيضًا عائلتي.
أنت لا تفهم. ليس لديك أطفال.
لا أحتاج أطفالًا حتى أعرف أن الإنسان لا يحتل بيت غيره.
في تلك اللحظة ظهر الطفلان عند الدرج.
حسن كان يحمل جهاز ألعاب صغيرًا.
وسارة تعانق دميتها.
كانا ينظران نحونا بخوف، يفهمان
خفضت صوتي.
اذهبا إلى الشرفة مع جدكما وجدتكما.
تقدمت هبة خطوة.
لا تعطِ أوامر لأطفالي.
وقف أبي ببطء.
تعالوا لنشاهد المراكب.
ذهب الطفلان معه.
وعندما مرّ قرب الشرفة، رأيته يلمس إحدى النخلتين بيده.
النخلة نفسها التي أراد كريم اقتلاعها.
ذلك المشهد كسر شيئًا داخلي.
أبي لم يكن يدافع عن نخلة.
كان يدافع عن دليل صغير يقول إن هناك شيئًا أصبح له أخيرًا.
بعد خروج الأطفال، أخرجت هاتفي.
أمامكما ثلاثون دقيقة لإخراج الحقائب.
ضحك كريم بسخرية.
ثلاثون دقيقة؟ وإذا رفضنا؟
عندها تأتي الشرطة، ومسؤول المجمع، والمحامي الذي اتصلت به قبل وصولي.
شحبت هبة.
اتصلت بمحامٍ؟
نعم.
إذن جئت مستعدًا؟
لا. جئت معتادًا.
توقفت عن الكلام بعدها مباشرة.
لأنها فهمت ما أقصده.
أنا كنت أعرف دائمًا كيف تبدأ مشاكلها.
تبكي أولًا.
ثم تطلب شيئًا بسيطًا.
ثم يتحول هذا الشيء إلى حق كامل.
وعندما يرفض أحد تبدأ الدموع والشعور بالذنب.
لكن هذه المرة لا.
حاول كريم أن يستعيد سيطرته.
سامر، لا تكن سخيفًا. لنتحدث كرجلين.
الحديث بين الرجال لا يعني إرسال أبي وأمي إلى غرفة الخدمة.
هما كبيران في السن.
وأنت كبير بما يكفي لتدفع إيجار بيتك.
كاد يرفع يده.
رأيت ذلك في كتفه، وفي قبضته المشدودة، وفي توتر هبة.
ورأيت أمي تقترب
رفعت هاتفي.
أنا أصور.
أنزل كريم يده فورًا.
جبان.
حذر.
بعد عشرين دقيقة وصل