كل ليلة كانت تبكي زوجها عند قبره… لكن ما وجده الحارس تحت شجرة البستان فجراً جعل الحقيقة أقسى من الموت نفسه
تموت من الحزن.
أما المرأة، فكانت واقفة بعيدًا وهي ترتجف من شدة الصدمة.
وبدأت كلمات زوجها الأخيرة تدور في رأسها.
مرضه المفاجئ.
عزلته الطويلة.
خروجه اليومي إلى البستان.
نظراته الخائفة في أيامه الأخيرة.
وتلك الليالي التي كان يعود فيها منهكًا وكأن شيئًا ثقيلًا يطارده.
وفجأة وضعت يدها على رأسها وهي تبكي.
كأنها بدأت تفهم السر الذي دفنه زوجها معه قبل موته.
اقترب الحارس من المرأة ببطء.
لم يعد الغضب في وجهه كما كان.
بل شيء أشد قسوة من الغضب.
شيء يشبه الانكسار.
وقال لها بصوت متعب
زوجك لم يمت من المرض وحده
كان يحمل في قلبه أمرًا أكبر من احتماله.
انخفضت المرأة على الأرض وهي تبكي بحرقة.
وقالت وهي تبكي بصوت متقطع
والله
نظر الحارس نحو السماء التي بدأت خيوط الفجر الرمادية تظهر فيها ببطء.
كان الليل ينسحب عن البستان قليلًا قليلًا، لكن البرد ما زال يملأ المكان، وكأن الأشجار نفسها تعرف ما خُبئ تحت جذورها طوال تلك الشهور.
ثم أعاد نظره نحو القبر الصغير تحت الشجرة.
وكان وجهه شاحبًا بصورة موجعة.
عيناه ثابتتان على التراب، وكأنه لم يعد يسمع شيئًا حوله.
حتى بكاء المرأة لم يعد يصل إليه.
في تلك اللحظة فقط
فهم لماذا بقي الرجل يذبل يومًا بعد يوم حتى مات.
وفهم لماذا كانت عيناه تمتلئان بالخوف كلما عاد من هذا البستان.
ولماذا كان يهرب من الناس، ويطيل الجلوس وحده حتى ساعات الليل الأخيرة.
كان يحمل سرًا أثقل من المرض نفسه.
سرًا يأكل قلبه ببطء، حتى أنهكه وأسقطه قبل أوانه.
جلس الحارس قرب القبر بصمت طويل.
ثم مد يده المرتجفة وأعاد بعض التراب فوق جسد أخته، وكأنه يحاول حمايتها ولو بعد فوات كل شيء.
وبدأ يتذكرها كما كانت.
صوت ضحكتها وهي تركض في زقاق الحارة القديمة.
يديها الصغيرتين وهي تمسك بثوبه حين تخاف.
ووجه أمه كل ليلة عند الباب، تنتظر عودتها وهي تردد
قلبي يقول إنها ما زالت حية.
أغمض عينيه بقوة، لكن الذكريات كانت أقوى من احتماله.
أما المرأة، فكانت جالسة على الأرض تبكي بحرقة.
كل كلمة قالها الحارس كانت تعيد أمامها صورة زوجها في أيامه الأخيرة.
حين كان يستيقظ مذعورًا من نومه.
وحين كان يجلس طويلًا
وحين كانت تراه يحدق في يديه وكأنه يخاف منهما.
تذكرت كيف صار يضعف بسرعة.
وكيف انطفأ وجهه شهرًا بعد شهر.
وكيف كانت تظنه مريضًا فقط
بينما كان يحمل داخله خوفًا لا يرحم.
قال الحارس بصوت متعب
بعض الناس يموتون قبل أن تُدفن أجسادهم من شدة ما يحملونه في صدورهم.
رفعت المرأة رأسها نحوه والدموع تغطي وجهها.
لكنها لم تجد ما تقوله.
فالكلمات أصبحت أصغر من الذي حدث.
وبقي الاثنان وسط البستان الصامت، مع أول خيوط الصباح، وكأن الليل ترك لهما ما يكفي من الألم ليعيشا به بقية العمر.
وفي ذلك المكان القديم، بين الأشجار والتراب الرطب والكوخ المهجور
بدا كل شيء وكأنه يشهد على حقيقة واحدة
أن بعض الذنوب لا تترك
حتى لو حاول أن يدفنها تحت التراب.