بقيت أنا وأخي وحدنا بعد وفاة أمي… لكن شخصًا مجهولًا كان يدخل بيتنا كل يوم دون أن نراه
دخلت غرفته بسرعة وأمسكت ذراعيه وهي تقول بانفعال:
— ماذا يحدث معك؟ لماذا تغيّرت هكذا؟
نظر إليها أحمد بصدمة.
— لا شيء… فقط لا أشعر بالجوع.
لكن ريم، التي كانت مرهقة نفسيًا وخائفة طوال الوقت، انفجرت فجأة:
— أنت لست طبيعيًا منذ أيام!
ثم دفعته بعصبية وصفعته بقوة.
نزف أنفه قليلًا، وتجمدت هي مكانها فورًا.
أما أحمد فبقي ينظر إليها بصدمة ودموعه تنزل بصمت.
كان معتادًا على حنانها، ولم يتخيل يومًا أن ترفع يدها عليه.
صرخ غاضبًا:
— أكرهك يا ريم… اخرجي من غرفتي!
قالت بسرعة وهي ترتجف:
— أنا آسفة… ظننت فقط أنك…
قاطعها وهو يبكي:
— اخرجي الآن!
خرجت ريم وهي تشعر بأنها ارتكبت خطأ كبيرًا.
جلست في غرفتها تبكي بصمت، ثم اتصلت بصديق أحمد المقرب لتسأله إن كان أخوها يأكل في المدرسة.
فأخبرها أن بعض الأولاد يسخرون منه بسبب وزنه، لذلك قرر أن يبدأ حمية قاسية حتى ينحف بسرعة.
أغلقت الهاتف وهي تشعر بالذنب.
فهمت أخيرًا أن خوفها وتوترها جعلاها ترى الأمور بشكل أسوأ مما هي عليه.
ومنذ تلك المشاجرة، أصبح أحمد أكثر انعزالًا.
كان يمضي ساعات طويلة وحده، ويتهرب من الحديث معها.
وفي إحدى الليالي، دخلت ريم غرفته فجأة، فوجدته جالسًا يتحدث مع نفسه أمام الخزانة.
توقفت عند
قال أحمد وهو يبتسم كأنه يخاطب أحدًا:
— لا… ريم لن تفهم.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
اقتربت منه بسرعة وقالت:
— مع من تتكلم؟
التفت إليها باستغراب.
— لا أحد… كنت أتخيل فقط.
لكن ريم لم تستطع تهدئة نفسها.
كانت حالتها النفسية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، وصارت تفسر كل شيء بطريقة مخيفة.
وفي تلك الليلة، رأت كابوسًا جديدًا.
حلمت بأن أحمد يبتعد عنها ويمشي داخل ممر طويل ومظلم، بينما هي تحاول اللحاق به ولا تستطيع.
استيقظت وهي تلهث من الخوف.
وفي الصباح حاولت أن تتصرف بشكل طبيعي، لكنها بدأت تراقب أخاها طوال الوقت.
وفي أحد الأيام، عاد أحمد إلى البيت وهو أكثر هدوءًا من المعتاد.
دخل غرفته مباشرة وأغلق الباب.
بعد دقائق، سمعت ريم صوت حديث خافت.
اقتربت ببطء، ثم فتحت الباب بسرعة.
كان أحمد وحده.
لكنه ارتبك عندما رآها.
قالت بقلق:
— كنت تتكلم مع أحد؟
أجاب بضيق:
— قلت لكِ ألف مرة… لا أحد.
ثم أضاف بعصبية:
— أنتِ لم تعودي طبيعية يا ريم.
تجمدت كلماتها داخلها.
لأول مرة تشعر أن أخاها بدأ يخاف منها فعلًا.
وفي تلك الليلة، جلست وحدها في غرفة أمها القديمة.
كانت متعبة، خائفة، وتشعر أن البيت كله يضغط على صدرها.
نظرت إلى صورة والدتها وهمست:
—
ثم أغلقت عينيها وهي تشعر بأن الوحدة داخل ذلك البيت أصبحت أكبر من قدرتها على الاحتمال.
الجزء التالي… ريم بدأت تشك أن بقاءهما وحدهما داخل ذلك البيت لم يعد ممكنًا.
مرت أيام طويلة والبيت يزداد صمتًا وبرودة.
لم تعد ريم قادرة على النوم بشكل طبيعي.
كل ليلة كانت تستيقظ على أقل صوت، ثم تبقى مستيقظة حتى الفجر وهي تراقب باب غرفة أخيها بخوف لا تفهمه.
أما أحمد، فصار أكثر هدوءًا وانعزالًا.
يعود من المدرسة، يدخل غرفته، ويغلق الباب خلفه لساعات.
وفي إحدى الليالي، استيقظت ريم على صوت بكاء خافت.
خرجت من غرفتها بسرعة، لتجد أحمد جالسًا وحده في الممر المظلم قرب غرفة أمهم.
جلست بجانبه فورًا وقالت بقلق:
— أحمد… ماذا بك؟
رفع رأسه وعيناه ممتلئتان بالدموع.
— تعبت يا ريم.
شعرت بشيء ينكسر داخلها.
قال بصوت مرتجف:
— البيت لم يعد يشبه بيتنا… وأنتِ أيضًا تغيّرتِ كثيرًا.
أخفضت رأسها ولم تستطع الرد.
ثم أكمل بصوت ضعيف:
— صرتِ تخافين من كل شيء… حتى مني.
وبدأت دموع ريم تنزل بصمت.
كانت تعرف أنه يقول الحقيقة.
الخوف، والوحدة، والمسؤولية، وكل الأفكار التي ملأت رأسها خلال الأشهر الماضية… جعلتها تفقد إحساسها بالأمان
قال أحمد وهو ينظر نحو غرفة أمهما المغلقة:
— أنا أيضًا أشتاق لأمي… لكن هذا لا يعني أننا سنراها في كل زاوية من البيت.
شهقت ريم بخفة.
ثم همس الصغير:
— أحيانًا كنت أسمعك تتحدثين وحدك داخل غرفتها… وكنت أخاف عليكِ.
وضعت يدها على فمها وهي تبكي.
لأول مرة تدرك أن أخاها لم يكن يبتعد عنها لأنه تغيّر… بل لأنه كان خائفًا عليها.
قالت بصوت مكسور:
— أنا آسفة يا أحمد… كنت أحاول أن أكون قوية، لكنني تعبت.
وبقي الاثنان يبكيان في ذلك الممر الطويل بصمت، كأن كل الخوف الذي تراكم داخلهما خرج أخيرًا.
وفي صباح اليوم التالي، اتخذت ريم قرارها.
جمعت بعض الملابس، وأغلقت البيت، ثم ذهبت مع أحمد إلى بيت خالتهما.
لم يكن القرار سهلًا عليها.
كانت تشعر وكأنها تترك آخر مكان بقيت فيه رائحة أمها.
لكنها فهمت أخيرًا أن بقائهما وحدهما داخل ذلك البيت، بكل الحزن والذكريات والضغط، كان أكبر من عمرهما.
وبعد أسابيع، بدأت حالتها النفسية تتحسن تدريجيًا.
عادت إلى دراستها، وبدأ أحمد يضحك من جديد، ولو قليلًا.
أما الأشياء الغامضة التي كانت تراها وتسمعها داخل البيت… فلم تتكرر أبدًا بعد مغادرتهما.
وأحيانًا، حين كانت ريم تتذكر تلك الفترة، لم تعد تعرف إن كانت بعض الأحداث حقيقية
لكن الشيء الوحيد الذي كانت متأكدة منه…
أن الإنسان حين يبقى وحيدًا مع ألمه طويلًا، قد يبدأ برؤية العالم بطريقة مختلفة تمامًا.