بعد 15 سنة في السجن… عاد عمي لينقذ البيت الذي تخلّى عنه الجميع
للمجاملة.
قال الأستاذ سالم
ليس كذبًا. هناك نسخ، وتواقيع، وبلاغ جاهز بخصوص التزوير.
حاولت عمتي رقية أن تبتسم.
أستاذ سالم، الموضوع سوء تفاهم بين أهل.
رد بهدوء
سوء التفاهم لا يحمل تواقيع مزورة.
جلست أمي ببطء.
قالت
يوم مات زوجي، طلبت منكم مساعدتي في البحث عن الأوراق. قلتم لي لا يوجد شيء.
أنزل عمي كريم عينيه.
لكن عمتي رقية لم تفعل.
قالت بحدة
كانت مجرد أرض خراب. لا تمثلوا علينا الآن دور أهل الخير والزراعة.
اقترب منها عمي أبو علي.
هذه الأرض التي تسخرين منها ستطعم المرأة التي أردتم إخراجها من بيتها.
أمسكت أمي يد عمي.
قالت
أنا فتحت لك الباب لأنك من دم زوجي.
خفض رأسه.
وأنا أرجع لك الأرض لأنك الوحيدة التي لم تعامليني كأنني نفاية.
في تلك اللحظة خسرت العائلة.
ليس بسبب الأوراق.
ولا بسبب البلاغ.
بل لأن أمي، وهي مريضة ومثقلة بالديون، وقفت وكأن عمرها عاد عشرين سنة.
قالت
بيتي لا يُباع. وأرضي لا تُباع. والذي يعود ليضغط علينا، لا يدخل هذا الباب مرة أخرى.
صرخت عمتي رقية أننا ناكرون للجميل.
وقال عمي كريم إننا سنندم.
وخرج أبناء عمي يتمتمون أن أبو علي سيغرقنا معه.
لكن هذه المرة، لم تكن أصواتهم تشبه الحكم.
كانت تشبه الذباب.
في ذلك المساء أخذنا أمي إلى الأرض.
ساعدناها حتى وصلت بصعوبة.
كانت ملفوفة بشالها، شاحبة، لكن عينيها كانتا تلمعان.
عندما رأت الصفوف الخضراء، غطّت فمها وبدأت تبكي.
قالت لي
أبوك كان يريدك أن تركض هنا وأنت صغير.
نظرت إلى الأرض كلها.
قلت
وصلت متأخرًا.
هز عمي رأسه.
وصلت عندما كان وجودك لازمًا.
في اليوم التالي لم أذهب للبحث عن عمل.
ذهبت لأزرع.
تعلمت تنظيف الأرض.
وتجهيز الشتلات.
وقطع الخس قبل أن تضعفه الشمس.
والتمييز بين النعناع الطيب والعشب المر.
تعلمت أن التراب لا يوسخ الإنسان عندما يخرج منه طعام.
وأن الأرض ليست مجرد ملكية.
الأرض صبر.
تحسنت أمي ببطء.
ليس فجأة.
لا شيء يشفى فجأة.
لكن الدواء وصل كاملًا.
وعادت رائحة الطعام إلى البيت.
كانت تجلس قرب طرف الأرض وتشاهد عمي وهو يعمل.
تقول له
أخوك كان سيفخر بك.
فيرد
وكان سيوبخني لأني تأخرت.
فتبتسم
الاثنين معًا.
سددنا أول الديون من طلبات الخضار.
ثم جاءت
صرنا نبيع للمطاعم الصغيرة.
وللبيوت.
ولمن يريد طعامًا يعرف مصدره.
وفي كل أسبوع كنا نجهز صناديق خضار ونرسلها.
بعد سنة، تعاون عمي مع رجال آخرين يزرعون في أراضٍ قريبة.
وأصر أن يسمّي العمل
الناس الطيبين.
استغربت الاسم في البداية.
ثم فهمت.
لم يكن اسمًا فقط.
كان وعدًا.
يوم وقّعوا الأوراق، لبست أمي أقراطًا صغيرة.
ولبس عمي قميصًا أبيض.
أما أنا، فوضعت صورة أبي في جيبي.
بعدها اشترينا طعامًا بسيطًا وعدنا إلى البيت.
رفع عمي قطعة خبز كأنها كأس وقال
للذين يعودون حتى لو لم ينتظرهم أحد.
رفعت أمي كوبها وقالت
وللذين يفتحون الباب.
نظرت إلى يدي عمي المليئتين بالتراب.
قلت
وللذين يزرعون قبل أن يطلبوا الغفران.
ابتسم عمي وامتلأت عيناه بالدمع.
بعد سنوات، عندما كان أحدهم يهمس
هذا دخل السجن.
لم أعد أخفض رأسي.
كنت أقول
نعم. وخرج منه بخجل أكثر من ناس كثيرين عاشوا أحرارًا.
البيت لم يُبع.
طَليناه بلون أصفر هادئ.
وفي الحوش كبر الزرع الذي بدأه عمي بصمت.
نعناع.
ريحان.
بصل أخضر.
وفلفل صغير كانت أمي تتباهى به كأنه
ذات مساء، وأنا جالس قرب الأرض، سألت عمي أبو علي
ما أول شيء زرعته بعد خروجك؟
أشار إلى ثلاث نبتات قريبة من بعضها.
ذرة، وفاصوليا، وقرع.
سألته
لماذا؟
قال
لأن لا أحد ينجو وحده. الذرة ترتفع، والفاصوليا تتعلق بها، والقرع يحمي التراب. من يظن نفسه نبتة وحدها، يجف بسرعة.
نظرت إلى الأرض بصمت.
فكرت في أبي.
وفي أمي.
وفي الرجل الذي سموه عارًا، لكنه أنقذنا دون ضجيج.
قلت له
سامحني لأني شككت فيك.
تأخر عمي في الرد.
ثم وضع يده على كتفي.
شككت لأنهم حكوا لك أسوأ فصل في حياتي. الآن عرفت فصلًا آخر. انتبه أي فصل ستحكيه عني عندما لا أكون موجودًا.
وفعلت.
أحكيه كل مرة يظن أحد أن الإنسان الخارج من السجن لا مستقبل له.
وأحكيه كل مرة يريد شخص أن يبيع بيته من الخوف.
وأحكيه كل مرة تقطع أمي النعناع من الحوش وتبتسم كأن الحياة ما زالت مدينة لها بصباح جديد.
لأن تلك الليلة، عندما ظننت أننا سنخسر كل شيء، لم يرني عمي أرضًا فقط.
أراني أن الكرامة تُزرع أيضًا.
وأن العائلة ليست من يجلس معك على المائدة عندما يكون الطعام موجودًا،
وأحيانًا الرجل الذي يسميه الجميع عارًا، يكون الوحيد الذي يعود وفي جيبه بذور.