رجع من رحلته وهو يظن أن زوجته لا تعرف شيئًا… لكن السؤال الذي واجهته به عند الباب غيّر كل شيء
تكاد تتسع لكرسيين ونبتة ريحان.
في أول ليلة أكلنا البيتزا على الأرض.
رفعت سارة كوبها.
على البيت بلا كذب.
رفعت كوبي معها.
على البيت بلا كذب.
ضحكنا.
ثم بكينا قليلًا.
ثم ضحكنا مرة أخرى.
هكذا تُبنى الحياة من جديد.
ليس بالخطب الكبيرة.
بل ببيتزا باردة، وصناديق لم تُفتح، وطفلة تستطيع أخيرًا أن تسأل ما تريد.
انتهت الفحوصات الطبية بخير بالنسبة لي.
أقولها هكذا لأنني تعلمت أن الصحة ليست ورقة فقط.
جسدي كان بخير.
لكن ثقتي لم تكن كذلك.
ذهبت إلى مختصة نفسية لأتوقف عن الشعور بالاشمئزاز من نفسي.
لأتوقف عن مراجعة التواريخ.
لأتوقف عن تخيل مشاهد لا أحتاج أن أراها.
قالت لي جملة بقيت معي
الخيانة لا تكسر العلاقة فقط. تكسر إحساس الإنسان بأنه كان يعيش حقيقة مشتركة.
وهذا ما حدث.
فهد لم يخني مع نورة فقط.
سرق مني نسخة العالم التي كنت أظن فيها أنني أعرف من يعيش معي.
سارة أيضًا بدأت جلسات دعم نفسي.
في البداية لم تكن تريد.
كانت تقول إن الخطأ ليس خطأها.
وكانت محقة.
لكنها ذهبت.
وتعلمت أن تقول
أبي خذلني.
من دون أن تعتذر بعدها.
حاول فهد الاقتراب منها بالهدايا.
حذاء غالٍ.
هاتف جديد.
تذاكر حفلات.
قبلت بعض الزيارات.
ورفضت أخرى.
لم أجبرها أن تكرهه.
ولم أجبرها أن تسامحه.
في يوم عادت من الغداء معه وقالت
سألني إذا صار عندك أحد في حياتك.
رفعت عيني بضيق.
وماذا قلتِ له؟
قلت له عندها راحة بال وهذه أغلى.
ضحكت بصوت عالٍ حتى طرقت الجارة الجدار.
فهد ونورة لم يبقيا معًا.
أخبرتني بذلك امرأة ظنت أن الخبر سيسعدني.
لم أشعر بشيء.
لا فرح.
ولا حزن.
فقط تأكيد.
هما لم يكونا حبًا.
كانا هروبًا، وغرورًا، وكذبًا، ولهفة مؤقتة.
وعندما وصلت الحقيقة بفحوصات ومحامين ومصاريف، لم يبقَ بينهما بحر.
بعد أشهر، انتظرني فهد أمام المبنى.
لم يصعد.
كان يعرف أنه لا يستطيع.
بدا أنحف.
من دون سمرة.
من دون عطر مبالغ فيه.
قال
مريم خسرت كل شيء.
نظرت إليه.
لا. خسرت الأشياء التي ظننت أنك تستطيع استخدامها بلا عواقب.
أشتاق لعائلتي.
ونحن أيضًا اشتقنا للشخص الذي ظننا أنك هو.
أوجعته الجملة.
خفض رأسه.
هل ستسامحينني يومًا؟
فكرت في السؤال.
لم أرد أن أجيب من كبرياء.
أردت أن أجيب من صدق.
ربما يأتي يوم لا يؤلمني فيه اسمك. لكنني لن أعود.
هز رأسه.
بكى قليلًا.
ثم رحل.
صعدت الدرج من دون أن أنظر خلفي.
كانت سارة تذاكر على الطاولة.
كان بابا؟
نعم.
ماذا يريد؟
السماح.
سامحتِه؟
وضعت المفاتيح في الطبق الصغير.
ليس بعد.
عضّت قلمها.
عادي. أنا أيضًا لم أستطع بعد.
جلست أمامها.
ذاكرنا التاريخ.
ثم تعشينا.
واستمرت الحياة.
ليست نظيفة تمامًا.
ولا مثالية.
لكنها حياتنا.
بعد سنة من تلك الرحلة، وصلتني دعوة زفاف.
أصرت قريبتي أن أذهب، وقالت إن ارتداء شيء جميل سيخفف عني.
ذهبت.
لبست فستانًا أخضر اختارته سارة.
وضعت المكياج ببطء.
وأنا أنظر
رأيت تعبًا، نعم.
خطوطًا جديدة.
عينين أكثر جدية.
لكنني رأيت أيضًا امرأة نجت من الإهانة من دون أن تتحول إلى ظل.
في الحفل، سألتني امرأة عن فهد.
السؤال القديم بنبرة فضول.
وزوجك؟
أمسكت كوب ماء.
ابتسمت.
لا أعرف. لم أعد أدير أكاذيبه.
كادت تختنق بشرابها.
ومضيت.
في تلك الليلة رقصت.
ليس كثيرًا.
وليس لأثبت شيئًا.
رقصت أغنية كاملة من دون أن أراجع الهاتف، ومن دون أن أفكر إن كان أحد ينظر إليّ بشفقة، ومن دون أن أشعر أن حياتي انتهت لأن رجلًا اختار أن يخذلني.
عندما عدت إلى البيت، كانت سارة مستيقظة.
استمتعتِ؟
نعم.
أحد طلب يرقص معك؟
نعم.
كان وسيمًا؟
نامي يا فضولية.
ضحكت وغطت نفسها.
قبل أن أطفئ النور قالت
ماما.
ماذا؟
جيد أنك لم تعودي تبكين عليه.
وقفت عند الباب.
أحيانًا أبكي.
لكن ليس مثل قبل.
كانت محقة.
في السابق كنت أبكي كمن يطلب أن تعود له حياة كاملة.
أما الآن، فعندما أبكي، أودّع أجزاءً مني.
لا أطلب عودتها.
اليوم، إذا حكيت هذه القصة، لا أبدأ بمرض نورة.
ولا بالفندق.
ولا بالسوار المخفي تحت كم فهد.
أبدأ بكوب القهوة البارد في المطبخ.
بي وأنا جالسة، أنتظر الرجل الذي ظن أنني لا أعرف إلا البكاء.
لأن تلك كانت الليلة التي فهمت فيها أن الهدوء قد يكون شكلًا من أشكال الغضب.
دخل فهد وهو أسمر من السفر، يظن أنه يملك القصة.
وأنا
وملف أصفر.
وسؤال واحد.
وكرامتي، التي نامت لسنوات، كانت جالسة معي على تلك الطاولة.
لا أعرف ماذا حدث لنورة.
أتمنى أن تكون قد تعالجت.
وأتمنى أن تكون قد فهمت أن المرأة لا تشفى وهي تهدم امرأة أخرى.
وأتمنى ألا أراها مرة ثانية.
أما فهد، فأعرف عنه ما يكفي.
يدفع النفقة.
يرى سارة عندما تريد هي.
لم يعد يدخل بيتي.
لم يعد يقبل جبيني.
لم يعد يناديني متوترة.
وأنا لم أعد أخلط بين الندم والتغيير.
أحيانًا نمشي أنا وسارة في الحي ونشتري حلوى بسيطة.
هي تختار ما تحب.
وأنا أختار ما أحب.
نعود إلى الشقة، نشغل مسلسلًا عاديًا، ونتعشى بملابس البيت.
حياة بسيطة.
بلا فنادق فاخرة.
بلا وعود كاذبة.
بلا أسماء تُستخدم بدل أصحابها.
بلا هواتف مخفية.
حياة تعرف فيها ابنتي أنها تستطيع أن تسأل.
وأعرف فيها أنني أستطيع أن أجيب.
وحيث لم يعد الصمت يحمي أحدًا يؤذينا.
وكلما تذكرت وجه فهد عندما سألته تعرف أي مرض عندها؟، لا أتذكر خوفه فقط.
أتذكر خوفي وهو يختفي.
لأنني في تلك الليلة اكتشفت أن الخوف يغيّر صاحبه عندما تتوقف المرأة عن حماية الرجل الذي وضعها في دائرة الخطر.
عاد وهو يظن أنني سأبكي.
ونعم، بكيت.
بعدها.
وحدي.
بغضب.
بألم.
بحزن.
لكنني أولًا سألت.
أولًا فتحت الملف.
أولًا وضعت الحقيقة على الطاولة.
ومنذ ذلك اليوم، كلما قال لي أحد إنني خسرت زوجي، أفكر في ذلك المطبخ، وفي سوار
وأجيب بيني وبين نفسي، بسلام دفعت
ثمنه غاليًا
لم أخسره.
اكتشفته.
وعندما اكتشفته وجدت نفسي أخيرًا.