وافقت تتزوج جندي أرمل مقابل الخبز… لكن عودته من الحرب قلبت البيت كله

لمحة نيوز

الحقيقي.
أمسك يد زهراء، ثم نظر إليّ ومدّ ذراعه بهدوء.
قلت فورًا
لا داعي لهذا.
رد دون أن يجادل
وأنتِ أيضًا لم يكن لازم تبقين.
لم أعرف ماذا أقول.
فسرت بجانبه بصمت.
وما إن وصلنا إلى ساحة القرية حتى بدأت الهمسات.
أم جاسم كانت تجلس قرب النساء في الصفوف الأولى، متيبسة كتمثال قديم.
أما الحاج كاظم فكان يقف قرب الدكان الكبير يتحدث مع بعض الرجال بصوت منخفض.
حتى الشيخ الذي عقد زواجنا خفض عينيه عندما رآنا.
بعد الصلاة، صعد جاسم درجات الجامع دون استئذان.
وسكت الناس بدافع الفضول.
قال بصوت واضح
ذهبت إلى الحرب وتركت خلفي بيتًا مكسورًا وسبعة أطفال خائفين وعندما عدت، وجدتهم أحياء بسبب زينب.
شعرت بضعف في ساقي.
لكنه أكمل
صحيح أنني تزوجتها مقابل أن تعتني بأطفالي وصحيح أنني كنت أنانيًا بما يكفي حتى أظن أن الطعام والسقف يكفيان مقابل ما طلبته منها.
ساد الصمت في الساحة.
وقال جاسم وهو ينظر إلى الناس
زينب لم تنقذ أطفالي فقط بل أنقذت البيت كله.
امتلأت عينا رنا بالدموع.
أما حيدر فكان ينظر إلى الأرض بصمت.
وأكمل جاسم
إذا سمع أحدكم نفسه مرة أخرى يصفها بالجائعة أو الدخيلة فليتذكر أولًا من الذي بقي مع أطفالي عندما اختفى الجميع.
رفعت زهراء يدها الصغيرة فجأة وقالت بصوت عالٍ
وحتى أنا أزعل عليه!
ضحك الناس أخيرًا.
وانكسرت قسوة
الجو قليلًا.
أما أنا فلم أستطع منع دموعي.
غادرت أم جاسم الساحة قبل أن تبدأ الألعاب النارية.
وفي تلك الليلة، بينما كانت الأضواء تلمع فوق البيوت الطينية، اقترب جاسم مني قرب الساحة.
الأطفال كانوا يأكلون الخبز الحلو، والتوأم يركضان خلف الألعاب، وحيدر يراقبنا من بعيد وكأنه يتظاهر بعدم الاهتمام.
قال جاسم بهدوء
أنا لا أملك حقًا أطلب منك شيئًا.
قلت بسرعة
إذن لا تطلب.
هز رأسه بتفهّم.
ثم قال
إذا أردتِ الرحيل سأعطيك ما أستطيع. مالًا، أو جزءًا من الأرض، أو أي شيء ترينه حقًا لكِ.
نظرت إليه دون كلام.
وأكمل
وإذا بقيتِ فقط من أجل الأطفال فسأحترم ذلك أيضًا. ولن أفرض عليكِ شيئًا.
أوجعتني الجملة أكثر مما توقعت.
فسألته
وإذا بقيت دون أن أفهم السبب حتى الآن؟
حبس أنفاسه للحظة.
ثم قال
إذن سأبقى ممتنًا وصامتًا.
نظرت إلى الأطفال.
زهراء كان وجهها مليئًا بالعسل.
رنا تضحك مع التوأم.
مهند يطعم كلبًا نحيفًا قطعة خبز.
وحيدر يراقب الجميع بصمته المعتاد لكن دون غضب هذه المرة.
قلت أخيرًا
لا أريد الامتنان.
ماذا تريدين؟
أجبته بهدوء
أريد ألا يقرر الجوع حياتي مرة ثانية.
خفض رأسه فورًا.
حاضر.
وأريد أن يعرف أطفالك أنهم يستطيعون حب أمهم دون أن يشعروا أنهم يخونونني.
رفع عينيه نحوي.
حاضر.
وأريد مكانًا في هذا البيت باسمي أنا لا كخادمة
ولا كبديلة.
نظر إليّ طويلًا.
ثم قال بصوت ثابت
حاضر يا زينب.
لم نتعانق.
ولم يحدث شيء يشبه قصص الحب السهلة.
لكن عندما عدنا إلى البيت تلك الليلة، علّق جاسم لوحة خشبية صغيرة قرب الباب.
وقفت أتأملها طويلًا.
كان مكتوبًا عليها
بيت الساعدي والعبودي.
ظهر حيدر خلفنا مباشرة وقال
اسم زينب لازم ييجي أول.
التفت جاسم إليه.
شنو؟
قال حيدر وهو يعقد ذراعيه
هي وصلت قبل لا ترجع إنت وتنقذنا.
نظر إليه جاسم لثوانٍ طويلة.
ثم أنزل اللوحة دون اعتراض.
وفي صباح اليوم التالي، علّق واحدة جديدة كتب عليها بيده المرتجفة
بيت زينب العبودي وآل الساعدي.
صفقت زهراء بسعادة.
أما أنا فدخلت إلى المطبخ بسرعة قبل أن يراني أحد أبكي.
الوقت لم يصلح كل شيء.
هذه كذبة يقولها الناس المستعجلون.
جاسم كان يستيقظ أحيانًا وهو يصرخ بأسماء جنود ماتوا.
وحيدر ظل أشهرًا ينام والسكين قربه.
ورنا احتاجت وقتًا طويلًا حتى تعود طفلة فعلًا.
أما أنا فبقيت أعدّ النقود كل ليلة حتى بعدما خفّ الجوع.
لكن البيت تغيّر.
جاسم صار يزرع الأرض مع حيدر.
والتوأم تعلما القراءة من الرسائل القديمة.
ومهند صار يبيع البيض في السوق.
ورنا بدأت تخيط مناديل صغيرة نبيعها للنساء.
أما زهراء فتوقفت أخيرًا عن سؤالي إذا كنت سأتركهم يومًا.
وفي صباح هادئ، بينما كنت أخبز قرب التنور، اقترب جاسم
من النار.
كان العجين دافئًا بين يدي، والخبز ينتفخ فوق الصاج مثل قلوب صغيرة.
قال فجأة
علّميني.
ضحكت بخفة.
شنو؟ الخبز؟
هز رأسه ببطء.
علّميني كيف يبقى الواحد بدون ما يشعر إنه عبء.
نظرت إليه طويلًا.
ثم وضعت قطعة عجين في يده.
وقلت
بالبداية لا تضغط كثير.
حاول أن يصنع رغيفًا.
فخرج أعوج بشكل مضحك.
ضحكت زهراء فورًا.
شكله خريطة!
حتى جاسم ضحك.
أخذ حيدر الرغيف ووضعه فوق الصاج وقال دون أن ينظر إليه
أول خبزة دائمًا تطلع خربانة.
ابتلع جاسم ريقه بصعوبة.
والثانية؟
هز حيدر كتفيه.
حسب إذا الواحد تعلّم أو لا.
وكان ذلك أقرب شيء للمسامحة.
ليس كاملًا.
ولا سهلًا.
لكنه حقيقي.
وبعد سنوات، صار أهل القرية يقولون إن جاسم عاد من الحرب ليجد بيتًا مختلفًا.
لكن الحقيقة لم تكن هكذا.
هو عاد ليجد عائلة مختلفة.
عائلة صنعها الجوع والخوف والرسائل الضائعة وخبز التنور والأطفال الذين رفضوا أن يموتوا حزنًا.
أما أنا
المرأة التي وافقت على الزواج فقط حتى لا تموت جوعًا
فاكتشفت أن بعض الناس يدخلون البيوت كغرباء
ثم يتحولون إلى النار التي تدفئ المكان كله.
وفي مساء هادئ بعد سنوات، بينما كنت أضع الصحون على الطاولة، أمسك جاسم يدي باحترام حقيقي كأنه يطرق بابًا لا يريد كسره.
وقال بهدوء
زينب ممكن أقعد؟
نظرت إلى أطفالي.
إلى أطفالنا.
وكان حيدر يبتسم
بخفة من صدر المكان.
فعرفت أخيرًا أن هذا البيت لم يعد يحتاج إذنًا حتى يحب.
قلت له وأنا أضع آخر رغيف خبز على الطاولة
اقعد يا جاسم الأكل يبرد.

تم نسخ الرابط