وافقت تتزوج جندي أرمل مقابل الخبز… لكن عودته من الحرب قلبت البيت كله
المحتويات
لا تكمل.
قالها جاسم بصوت منخفض لكن الجميع سكت.
رفع الحاج كاظم حاجبيه.
وضعك لا يسمح بالتهديد.
مو تهديد مجرد تحذير. محد يلمس أطفالي.
ضربت أم جاسم الأرض بعصاها.
أولادك كانوا يموتون جوع معها!
ضحك حيدر بمرارة.
إحنا كنا نموت قبلها أصلًا.
خرجت رنا مع التوأم.
وقالت
زينب علمتنا شلون نوفر الطحين. وأخذتنا للطاحونة لما محد رضي يسلفنا. وعالجتنا بالشاي لما ما كان عندنا دكتور. وحتى سوت لنا نعال من جلد قديم.
رفع مهند يده بحماس.
وقتلت حيّة بالدجاجات.
فتحت زهراء عينيها نصف النائمة.
وتعرف تسوي خبز تنور طيب.
نظرت أم جاسم إليهم وكأن الخيانة خرجت من دمهم.
عبّت راسكم بالحكي.
أنزل جاسم زهراء بهدوء، ثم وقف بصعوبة.
رأيت الألم ينهش ساقه لكنه لم يطلب مساعدة.
وقال
يمّه وين رسائلي؟
ارتبكت.
أي رسائل؟
أخرج الرزمة الجلدية.
الرسائل اللي أرسلتها. واللي زينب ما شافتها. واللي أطفالي ما شافوها.
خفض المختار نظره.
أما الحاج كاظم فبدأ يجمع أوراقه ببطء.
للذنب رائحة
وفي ذلك الصباح كانت تملأ الساحة كلها.
أنا فقط كنت أحمي بيتك قالت أم جاسم بصوت مرتجف.
نظر إليها جاسم طويلًا.
لا كنتِ تريدينه فارغًا.
ارتجفت يدها فوق المسبحة.
هذه المرأة ليست منّا.
التفت جاسم نحوي.
ولأول مرة منذ عرفته رأيت الضابط داخل الرجل المكسور.
قال بهدوء ثابت
هذه زوجتي.
شعرت بشيء يؤلمني
قلت فورًا
كان اتفاقًا فقط.
رد دون أن يبعد عينيه عني
أمام الله والقانون نعم لكنها زوجتي إن أرادت هي ذلك.
لم أعرف ماذا أقول.
لأنني طوال سنة كاملة كنت أكرر لنفسي أنني لا أنتظر شيئًا.
لكن القلب لا يستأذن عندما يتعلم التعلق.
ضحكت أم جاسم بمرارة.
ستضع هذه الجائعة فوق أمك؟
نظر إليها جاسم طويلًا.
أمي جعلت أطفالي يظنون أن أباهم نسيهم.
تراجعت كأن الكلمات صفعتها.
أنا فقدت ابنًا في الحرب قبل أن أفقدك ولم أكن سأخسر البيت أيضًا.
البيت لا يساوي أطفالي.
تنحنح الحاج كاظم وقال
لكن الأوراق ما تزال قانونية.
في تلك اللحظة ركض حيدر نحو الغرفة، ثم عاد يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
كنت أراه دائمًا تحت فراشه، لكنني لم أسأله يومًا ماذا يخفي داخله.
وضعه فوق الطاولة.
وقال
أمي تركت هذا.
تجمّد جاسم.
من أين جئت به؟
خبأته قبل أن تموت. وقالت إذا حاولت جدتي تتحكم بالبيت أعطيه لك لكنك رحلت.
فتح الصندوق بيدين مرتجفتين.
كان بداخله
أوراق قديمة، ووثائق، ورسالة بخط امرأة، ووسام عسكري قديم.
اقترب المختار ببطء.
وبدأ يقرأ.
ثم تغيّر وجهه بالكامل.
هذا يغيّر كل شيء.
حاول الحاج كاظم الاقتراب من الأوراق، لكن حيدر وقف أمامه فورًا وهو يمسك السكين.
لا تلمسها.
قرأ المختار الأوراق مرة أخرى، ثم قال
البيت ليس باسم أم جاسم ولا حتى باسم جاسم.
ساد الصمت.
ثم أكمل
زوجته
نظر الجميع إلى أم جاسم.
حتى المسبحة بدأت ترتجف بين أصابعها.
أرادت الكلام لكنها لم تجد كذبة سريعة كفاية.
أغلق جاسم عينيه للحظة.
كأن الوجع أصبح أكبر من أن يحتمله صباح واحد.
ثم قال بصوت متعب
اخرجوا.
ولدي
لا تدخلي هذا البيت مرة ثانية إلا إذا أولادي أرادوا ذلك.
رفعت رأسها بعناد.
ستندم.
ابتسم جاسم بتعب.
ندمت على أشياء كثيرة واحدة زيادة لن تقتلني.
خرجت مع الحاج كاظم والمختار، تاركة خلفها الغبار والعار وصمتًا ثقيلًا.
لكن كلام القرى لا يموت بسرعة.
في نفس المساء، بدأت الحكايات تنتشر.
قالوا إنني سحرت الضابط.
وقالوا إنني تسللت إلى قلبه وهو مريض.
وقالوا إنني أريد الاحتفاظ باسمه وأرضه وأطفاله.
وفي السوق، توقفت بعض النساء عن السلام عليّ.
أما الرجال داخل دكان أبو سعد، فكانوا يصمتون كلما دخلت.
كنت أتظاهر أن الأمر لا يؤلمني.
لكن رنا لم تستطع.
قالت وهي تعجن الطحين
ناس جاحدة.
قلت بهدوء
الناس تأكل الحكايات مثلما تأكل الخبز خصوصًا إذا كانت مليئة بالملح.
ضحك حيدر لأول مرة منذ أيام.
وبدأ جاسم يتعافى ببطء.
لكن وجوده داخل البيت لم يكن سهلًا.
الأطفال أحبوه وغضبوا منه في الوقت نفسه.
مهند كان يطلب منه قصص الحرب والخيول.
التوأم أرادا لمس بندقيته القديمة.
رنا كانت تتحدث
أما زهراء، فكانت تجلس فوق ساقه وكأنها تعرفه منذ عمر كامل.
وحده حيدر بقي صعبًا.
في أحد الأيام وجد جاسم يصلح السياج الخشبي.
قال له حيدر ببرود
هذا شغلي.
أعرف.
إذن اتركه.
ترك جاسم المطرقة فورًا.
لم أرجع حتى آخذ مكانك.
ضحك حيدر بمرارة.
أي مكان؟ مكان رجل البيت؟ هذا المكان تركته أنت.
وقعت الجملة ثقيلة.
لكن جاسم لم يغضب.
قال فقط
معك حق.
وكان ذلك أكثر ما أزعج حيدر.
صرخ فجأة
اصرخ! اغضب! تصرّف كضابط مرة واحدة!
نظر إليه جاسم بحزن عميق.
بالحرب صرخت كثير وما رجعت أسرع بسبب ذلك.
شدّ حيدر فكه بقوة.
زينب لم تبكِ أمامنا.
أعرف.
وكانت تجوع حتى نأكل.
أعرف.
وكانت مريضة وتكمل طحن الطحين.
التفت جاسم نحوي.
كنت أنشر الملابس وتظاهرت أنني لا أسمع.
قال بهدوء
أعرف هذا أيضًا.
خفض حيدر صوته أخيرًا.
إذن لا تتوقع أننا سنحبك فقط لأنك عدت.
اقترب منه جاسم ببطء.
لا أريد ذلك أريد فقط أن أتعلم كيف أبقى.
لم يرد حيدر.
لكن في تلك الليلة وضع له طبق الطعام بنفسه.
ليس في صدر المكان.
بل على المقعد قرب الباب.
وجاسم استلم الطبق وكأنه وسام.
مرت أسابيع.
وجاء موسم الاحتفال في القرية مع أصوات المفرقعات وقت الفجر، والمواكب الصغيرة قرب الجامع، ورائحة الشاي بالقرفة والخبز الساخن المنتشر في الأزقة المبللة.
الأطفال كانوا متحمسين.
أما أنا فلم أكن
كنت أعرف نظرات الناس.
جاسم ارتدى بدلته العسكرية القديمة بعد أن أصلحناها بالخياطة.
لم يرتدها كضابط متفاخر.
بل كرجل يريد أن يواجه القرية بوجهه
متابعة القراءة