“كنت أعتبر حماي عبئًا على بيتي… وبعد موته اكتشفت أنه كان يحمي عائلتي بصمت طوال عشرين سنة”
ظهر ولد في الثانية عشرة تقريبًا.
كان حفيد قاسم.
يحمل حقيبة ممزقة، وينظر إلى الأرض.
قال
جدي يقول إنكم تعطون طعامًا هنا.
نظرت إليّ سعاد.
أخذت نفسًا عميقًا.
قلت له
هنا لا نرمي الطعام كصدقة على الناس. هنا نتقاسمه.
ثم قدمت له طبقًا.
لأن ما علّمني إياه الحاج عبدالجبار متأخرًا، أن فقر الكبار لا يجب أن يرثه الصغار.
مر عام.
صار مطبخ الحاج عبدالجبار يفتح أيضًا أيام السبت.
كان معلم متقاعد يعلّم بعض شباب الحي الحساب.
وكانت امرأة كبيرة تأتي أحيانًا وتبيع مناديل مطرزة
كنت أستمع أكثر مما أتكلم.
وهذا أيضًا تعلمته من الرجل العجوز.
في أحد الأيام، وضعنا له صورة صغيرة.
سعاد وضعت صورته بالعقال الرمادي.
علي وضع الراديو.
مريم وضعت كوب شاي.
وأنا وضعت طبق عدس وقطعة خبز.
وقفت أمام صورته طويلًا.
قلت بصوت منخفض
سامحني يا حاج عبدالجبار. سامحني لأنني كنت أعدّ ما تكلفه، ولم أعدّ ما تساويه.
أمسكت سعاد يدي.
أظن أنه كان يعرف.
سألتها
أنني أحببته؟
قالت
لا. أنه سيأخذ منك وقتًا حتى تفهم.
بكيت.
لكن ليس مثل أول مرة.
بكيت
حزن بدأ يفعل شيئًا.
في تلك الليلة، عندما أغلقنا المطبخ، جلست على الكرسي نفسه الذي رحل عليه.
نقلناه إلى البيت القديم ووضعناه في الحوش.
شربت الشاي.
وقطعت الخبز.
وجلس الصمت معي.
لم يكن الحاج عبدالجبار.
لكنه كان يشبهه.
طوال عشرين سنة ظننت أن رجلًا يجلس على سفرتي يأخذ مني المساحة، والمال، والمستقبل.
لم أرَ أنه كان يحفظ المستقبل داخل دفتر أزرق.
لم أرَ أن كل الله يخليك يا وليدي كانت طريقته في الاعتذار لأنه لا يستطيع أن يشرح.
لم أرَ أن كبار السن لا
أحيانًا يشغلون المكان نفسه الذي تُختبر فيه إنسانيتنا.
أنا فشلت مرات كثيرة.
والحاج عبدالجبار كان يعرف.
ومع ذلك، كتب اسمي في الظرف.
ليس لأنني كنت الأفضل.
بل لأنني كنت ما زلت قادرًا على التغير.
والآن، كلما دخل رجل مسن إلى المطبخ وسأل إن كان يستطيع الجلوس، أسحب له كرسيًا.
وكلما قال أحدهم لا أريد أن أزعجكم، يضيق حلقي.
أتذكر الرجل العجوز في الغرفة الصغيرة آخر الممر.
عقاله الرمادي.
شايه الدافئ.
وطريقته في الاختفاء حتى لا يطلب شيئًا.
ثم أقول
اجلس. هذه السفرة لك أيضًا.