“كنت أعتبر حماي عبئًا على بيتي… وبعد موته اكتشفت أنه كان يحمي عائلتي بصمت طوال عشرين سنة”
المحتويات
يريدك أن تعرف إلا في النهاية.
جلست لأن ساقيّ لم تعودا تحملاني.
البيت.
البيت الذي عملت عشرين سنة وأنا أحمل غضبي عليه.
البيت الذي ظننته ملكي بالتعب والتضحية.
كان الرجل الصامت في الغرفة الصغيرة آخر الممر يسنده معي.
استمر التسجيل.
لم أفعل ذلك حتى تحبني. المحبة التي تُشترى تفسد بسرعة. فعلت ذلك لأن أحفادي كانوا يكبرون في هذا البيت، ولأن سعاد كانت تنام بهدوء عندما لا تصرخ أنت بسبب المال.
آلمني كلامه.
لأنه حتى في وداعه كان يقول لي الحقيقة دون أن يهينني.
لا أحمل حقدًا على أولادي الآخرين. لكنني لا أُسلّم ما لم يعرفوا كيف يحافظون عليه. إن أرادوا الخصام، فليخاصموا. أنا تعبت.
ثبتت الصورة للحظة.
ثم نظر الحاج عبدالجبار مباشرة إلى الكاميرا.
حيدر في الكيس القماشي يوجد أجري الحقيقي.
سلمني المحامي الكيس.
كان خفيفًا.
في داخله قطع نقدية قديمة.
وميدالية صغيرة.
ومفتاح صدئ.
وورقة مطوية.
فتحتها.
كانت قائمة.
ليست قائمة أموال.
بل قائمة أيام.
حيدر أخذني إلى الطبيب حين أصابتني الحمى.
حيدر أصلح الراديو.
حيدر اشترى لي خبزًا باليانسون رغم أنه قال إنه للجميع.
حيدر لم يخرجني من البيت حين توقف قاسم عن الرد.
حيدر باع سيارته من أجل عيني.
حيدر تذمّر لكنه بقي.
انكسرت.
هناك، أمام أولادي، وزوجتي، وإخوتها، ومحامٍ بالكاد أعرفه، بكيت كما لم أبكِ يوم الجنازة.
لأن الحاج عبدالجبار عدّ غضبي.
لكنه
وأنا لم أكن أعدّ إلا أطباقه.
اقترب قاسم من الملف.
طيب يا أستاذ عن كم مبلغ نتكلم؟
أغلق المحامي يده فوق الوثائق.
أنت لست من المستفيدين.
قال قاسم بغضب
أنا ابنه الأكبر.
رد المحامي
واسمك مذكور أيضًا في بلاغ احترازي بسبب محاولة الاستيلاء على أملاك.
تجمّد قاسم.
ماذا؟
أخرج المحامي نسخًا من رسائل وتسجيلات وأوراق.
الحاج عبدالجبار وثّق الزيارات التي حاولت فيها أن تجعله يوقّع تنازلات عن أملاكه. وسجّل مكالمات كنت تهدده فيها بأنك ستطلب الحجر عليه.
ابيضّ وجه سعاد.
أبي لم يخبرني بهذا؟
قال المحامي
لأنه لم يكن يريد أن يزيد انقسام العائلة. لكنه ترك الأدلة.
نظر إليّ قاسم بحقد.
أنت رتبت كل هذا.
مسحت وجهي.
يا ليتني اعتنيت بالرجل العجوز بنصف الذكاء الذي اعتنى هو بنا به.
دفع قاسم كرسيًا بعنف.
ارتعب أولادي.
اتصل المحامي بالشرطة من هاتفه دون أن يرفع صوته.
خرج قاسم وهو يلعن، وإخوته خلفه.
عند الباب صرخ بأنه سيقاضينا، وأن البيت القديم له أيضًا، وأن الحاج عبدالجبار كان قد فقد عقله.
أغلقت سعاد الباب.
وبقي البيت في صمت.
لم يكن صمت الغياب.
كان صمتًا آخر.
صمتًا ممتلئًا بالخجل.
في تلك الليلة لم يتناول أحد العشاء.
دخلت الغرفة الصغيرة آخر الممر.
طوال عشرين سنة رأيتها غرفة مشغولة.
ولم أرها يومًا كعالم رجل.
كان فيها سرير ضيق.
وخزانة صغيرة.
وصورة دينية قديمة.
وراديو
وصندوق أحذية مليء بالقصاصات.
وعلى الجدار صور لأولادي من الروضة حتى الجامعة.
صور لم أكن أعرف أصلًا أنه طبعها.
في الدرج وجدت أكياسًا صغيرة فيها عملات معدنية مكتوب عليها
للعيد.
للمناسبات.
للحلوى مع الأولاد.
تذكرت مرة أصر فيها الحاج عبدالجبار أن يأخذ علي ومريم ليشتري لهما شيئًا بسيطًا.
غضبت وقتها وقلت إنه لا يوجد مال للمشاوير.
عاد ومعه خبز وحلوى ملفوفة بورق.
وقال إن البائع أجّله بالدفع.
الآن فهمت أنه لم يكن كذلك.
دخلت سعاد خلفي.
أنا أيضًا لم أكن أعرف كل هذا.
جلست على سرير أبيها.
جعلته يشعر أنه زائد عن البيت.
قالت بهدوء
أحيانًا نعم.
لم أدافع عن نفسي.
قالت
لكنك اعتنيت به أيضًا. حتى وأنت تتذمر. حتى وأنت تغضب. اعتنيت به حين تركه أولاده.
قلت
هذا لا يمحو ما قلته.
لا. لكنه يفسر لماذا كتب اسمك أنت على الظرف.
أمسكت عقاله الرمادي من فوق الخزانة.
كان يحمل رائحة الغبار والصابون والحوش.
قلت بصوت مكسور
أريد أن أطلب منه السماح.
جلست سعاد إلى جانبي.
إذن افعل ما طلبه.
في اليوم التالي ذهبنا مع المحامي لرؤية البيت القديم.
فتح الباب بالمفتاح الصدئ.
لم يكن في الداخل فخامة.
كان فيه ذاكرة.
طاولة خشبية.
صناديق قديمة.
مطبخ ببلاط قديم.
وحوش واسع.
أرانا المحامي الوصية كاملة.
البيت لا يمكن بيعه لمدة عشر سنوات.
ويجب استخدامه ثلاثة أيام في الأسبوع كمطبخ خيري لكبار السن الذين لا
وإذا لم ننفذ الشرط، ينتقل البيت إلى جمعية محلية.
قرأت الشرط مرتين.
مطبخ خيري؟
ابتسمت سعاد وهي تبكي.
أبي لم يكن يريد أن يأكل أحد وهو يشعر أنه عبء.
وهذا كسرني من الداخل أكثر.
لأشهر، رممنا البيت.
ليس من صندوق أولادي.
بل بيديّ.
بعد عملي في الورشة، كنت أذهب لأصنفر الطاولات، وأطلي الجدران، وأصلح الكراسي.
علي ركّب بعض الأشياء الكهربائية.
ومريم رسمت لوحة صغيرة في الحوش
رجل بعقال رمادي يقدم الشاي.
في أول يوم للمطبخ، جاء ستة كبار في السن.
ثم صاروا اثني عشر.
ثم عشرين.
جلس رجل اسمه أبو إياد على الكرسي الرئيسي وسأل
هل ندفع شيئًا؟
شعرت أن الحاج عبدالجبار ينظر إليّ من مكان ما.
قلت
لا. هنا تقول شكرًا إن أحببت. لكن لا أحد يدفع.
قدمنا مرق العدس، والأرز، والخضار، والخبز الساخن، والشاي.
وسعاد لم تترك أحدًا يغادر دون قطعة خبز.
أما أنا، فغسلت الأطباق.
كل طبق كنت أفركه بدا لي كاعتذار متأخر.
قاسم رفع دعوى فعلًا.
لكنها لم تطل.
الأوراق كانت سليمة.
والتسجيلات واضحة.
ومحاولات الضغط كانت مثبتة.
في الجلسة، استمع القاضي إلى مقطع يقول فيه قاسم
وقّع يا أبي. حيدر يتحملك فقط لأن سعاد تجبره.
أغمضت عيني.
الحاج عبدالجبار لم يكن يعرف فقط ما أقوله أنا.
كان يعرف أيضًا ما يظنه الآخرون.
خسر قاسم القضية.
وعند خروجه واجهني في الممر.
قال
استمتع
نظرت إليه بتعب.
الشيء الوحيد الذي أخذته منه هو الصبر. وحتى هذا لم أعرف كيف أشكره عليه.
لم يرد.
ولم يعد إلى المطبخ الخيري.
ولا إخوته.
لكن بعد فترة،
متابعة القراءة