“كنت أعتبر حماي عبئًا على بيتي… وبعد موته اكتشفت أنه كان يحمي عائلتي بصمت طوال عشرين سنة”
سامحني يا وليدي. أنا لم أكن عبئًا. كنت جبانًا.
لم أستطع أن أواصل القراءة.
انثنت الورقة بين أصابعي.
نظرت إليّ سعاد وعيناها ممتلئتان بالدموع.
أما قاسم، فأطلق ضحكة جافة، كأن حزن غيره يزعجه.
قال بسخرية
كان أبي يحب الدراما دائمًا يريد أن يظهر كأنه الضحية.
رفع المحامي نظره إليه.
أنصحك أن تستمع حتى النهاية.
أخذت نفسًا عميقًا.
وكانت الرسالة تتابع
على مدى عشرين سنة، أكلت على سفرتك، وسمعت تنهيداتك حين كنت تظن أنني لا أسمع.
كنت أسمع يا حيدر.
كنت أسمعك وأنت تعدّ الدنانير من أجل الغاز.
وأسمعك حين تقول إن أولادك يحتاجون إلى مساحة.
وأسمع غضبك لأنني ما زلت حيًا.
شعرت أن وجهي يحترق.
لأن هذا كان صحيحًا.
الحاج عبدالجبار سمع كل شيء.
حتى ما لم أقله.
ولا ألومك.
الرجل المتعب قد يخلط بين الجوع والغضب.
وأنا فعلت ذلك أيضًا حين كنت شابًا.
لذلك أطلب منك السماح.
ليس لأنني أكلت من مرق العدس في بيتك.
بل لأنني لم أخبرك من قبل أن كل رغيف أعطيتني إياه، كنت أحفظه لكم بطريقة أخرى.
رفعت رأسي.
ماذا يعني هذا؟
فتح المحامي الدفتر الأزرق.
لم يكن دفترًا عاديًا.
كانت فيه تواريخ.
ومبالغ.
وأسماء.
وإيصالات ملصقة بشريط قديم.
كل صفحة مكتوبة بخط الحاج عبدالجبار المرتجف.
غاز آذار.
حذاء علي.
تسجيل مريم.
عملية الماء البيضاء دين في رقبة حيدر.
السقف المؤجل.
عرفت السنوات.
عرفت الأشهر.
عرفت حتى لحظات غضبي.
أخرج المحامي إيصالًا بنكيًا.
الحاج عبدالجبار فتح صندوقًا قبل تسعة عشر عامًا باسم حفيديه، علي ومريم الجبوري.
ابني علي، وقد أصبح شابًا، بقي واقفًا قرب النافذة بلا حركة.
أما مريم فوضعت يدها على فمها.
سألت سعاد بصوت مرتجف
أي صندوق؟
قال المحامي
صندوق تعليمي ومالي. كان الحاج عبدالجبار يضع فيه كل شهر ما يستطيع. أحيانًا قليلًا وأحيانًا كثيرًا.
ضحك قاسم بصوت عالٍ.
كثيرًا؟ أبي؟ بالله عليك. هذا لم يكن يملك ثمن جوارب جديدة.
نظر إليه المحامي دون أن يرمش.
لم يكن يشتري جوارب جديدة لأنه اختار ألا يشتريها.
ثم أخرج ورقة أخرى.
قبل خمسة عشر عامًا، باع الحاج عبدالجبار قطعة أرض صغيرة قرب أطراف بغداد. لم يصرف المال. استثمره. وقبل تسع سنوات، حصل على تعويض عن أرض عائلية أخرى دخلت ضمن مشروع توسعة. ولم يصرفه أيضًا.
وقف قاسم فجأة.
أي أراضٍ؟ هذه كانت لنا جميعًا.
رد المحامي بهدوء
لا. كانت باسمه قانونيًا. أنتم حاولتم أكثر من مرة أن تجبروه على التوقيع، لكنه لم يوقّع.
كانت سعاد ترتجف.
أبي لم يقل شيئًا.
قال المحامي
لأنه لم يكن يريد أن يبحث عنه أحد من أجل المال. كان يريد أن يعرف من يبقى معه دون انتظار شيء.
شعرت أن شيئًا اخترق صدري.
دون انتظار شيء.
وأنا كنت أنتظر أن يموت.
ليس دائمًا.
وليس كل يوم.
لكنني انتظرت ذلك في اللحظات
وضع المحامي صورة قديمة على الطاولة.
كان الحاج عبدالجبار شابًا، واقفًا أمام باب قديم، يرتدي عقالًا جديدًا، وبجانبه امرأة مبتسمة.
سألت مريم
من هذه؟
لمست سعاد الصورة بأصابع مرتجفة.
أمي.
الحاج عبدالجبار لم يكن يتحدث كثيرًا عن زوجته.
كان يقول فقط إنها رحلت صغيرة، وأخذت معها صوت البيت.
فتح المحامي ظرفًا آخر.
وترك أيضًا هذا العقار.
انحنى قاسم للأمام بسرعة.
أي عقار؟
قال المحامي
بيت قديم. ليس للبيع. تركه الحاج عبدالجبار حق انتفاع لسعاد وحيدر، ثم من بعدهما لأحفاده.
وقفت دون أن أشعر.
لا هذا غير ممكن.
قال المحامي
بل ممكن. ومعه شرط.
ضرب قاسم الطاولة بيده.
هذه مهزلة! نحن أولاده.
رتّب المحامي الأوراق بهدوء.
ولهذا بالضبط ترك رسالة لكم أيضًا.
شحبت ملامح قاسم.
قرأ المحامي
إلى أولادي الذين يتأخرون حتى عن موت أبيهم
لا أترك لكم البيت، لأن البيت لا يُترك لمن لا يعرف كيف يطرق الباب.
ولا أترك لكم المال، لأن المال في أيديكم يتحول إلى جوع لغيركم.
أترك لكم، إن أردتم، مسامحتي.
لكن هذا لا يوقّع عند كاتب العدل.
احمرّ وجه قاسم.
عجوز ناكر للجميل.
نهضت سعاد فجأة.
لا تتكلم عن أبي هكذا داخل هذا البيت.
كانت تلك أول مرة أرى زوجتي تدافع عنه دون دموع.
حاول قاسم أن يرد، لكن ابني علي تقدم خطوة.
سمعنا ما يكفي.
بدأ
يعترضون.
يهددون بالمحاكم.
قالوا إن الحاج عبدالجبار كان فاقد الإدراك.
وإنني أنا تلاعبت به.
وإن سعاد عزلته عنهم.
كان الأمر غريبًا.
طوال عشرين سنة لم يهتموا أين ينام الرجل العجوز.
لكن ملفًا عليه أختام كان كافيًا ليذكّرهم أن لهم أبًا.
لم يجادلهم المحامي.
أخرج وثيقة أخرى فقط.
الحاج عبدالجبار طلب تقييمات طبية وقانونية خلال آخر ثلاث سنوات. كل شيء سليم. وترك تسجيلات أيضًا.
تجمّدت في مكاني.
تسجيلات؟
وضع المحامي ذاكرة صغيرة على الطاولة.
طلب تشغيل تسجيل واحد فقط.
وصلها بالتلفاز.
ظهر الحاج عبدالجبار جالسًا في الحوش الصغير في بيتنا.
عقاله الرمادي فوق ركبتيه.
وصوته كان ضعيفًا، لكنه واضح.
حيدر إذا كنت ترى هذا، فهذا يعني أنني رحلت. لا أريدك أن تخفض رأسك أمام أولادي. أنت لم تسرقني. أنت تحملتني. والتحمّل أيضًا شكل حزين من المحبة حين يكون الإنسان متعبًا.
وضعت يدي على فمي.
تنفس الحاج عبدالجبار ببطء.
كنت أعرف أنك تسميني عبئًا. لا أكرهك بسبب ذلك. أحيانًا كنت أشعر أنا أيضًا أنني عبء. لكن أريدك أن تعرف شيئًا. عملية عيني لم تدفعها وحدك. بعت ساعة زواجي، ووضعت نصف المبلغ في حسابك دون أن تدري. والسقف الذي أجلت إصلاحه، دفعته لاحقًا من الصندوق. جامعة علي مغطاة. وجامعة مريم أيضًا. والبيت الذي تعيشون فيه لم يعد عليه دين.
أطلقت سعاد
نظرت إلى المحامي.
القرض؟
قال المحامي
سُدّد بالكامل قبل ستة أشهر. الحاج عبدالجبار دفع أقساطًا مبكرة عبر اتفاق قانوني. لم يكن