في سن الثانية عشرة كشفتُ سر أمي… وبعد سنوات اكتشفتُ الحقيقة التي أخفاها الجميع عني
المحتويات
نحوي.
لم تحتضني.
وقفت فقط تنظر إليّ كأن طفلة خرجت من الماضي ودخلت عليها بزي المدرسة القديم.
قالت بصوت مبحوح
سارة.
كان صوتها نفسه.
أكثر تعبًا.
أكثر خشونة.
لكنه نفسه.
تخيلت هذه اللحظة ألف مرة.
مرة أصرخ في وجهها.
ومرة تركع هي وتطلب السماح.
ومرات أسوأ أركض إلى حضنها وكأن شيئًا لم يحدث.
لكنني لم أفعل أي شيء من ذلك.
أخرجت الرسالة ووضعتها فوق طاولة صغيرة عليها مجلات قديمة.
قلت
قرأتها متأخرة تسع سنين.
أغمضت أمي عينيها.
حسام.
قلت بسرعة
ما تبدئيش به. ابدئي بنفسك.
أومأت ببطء.
خلعت المريلة.
كانت يداها ملطختين بصبغة سوداء قرب الأظافر.
لم تكن يدي المرأة المرتبة التي غادرتنا بحقيبة حمراء.
لكنها كانت نفس اليدين اللتين صففتا شعري يوم حفلة الربيع وأنا صغيرة.
وهذا أغضبني أكثر.
لأن الجسد يتذكر حتى عندما نرفض نحن التذكر.
قالت
أنا ما مشيتش بسببك.
ضحكت.
لكن لم يكن في داخلي أي ضحك.
شكرًا يا ماما. كرم كبير إنك توضحي ده بعد كل السنين دي.
تحملت الجملة.
قالت
أنا كنت على علاقة بسامح من شهور. أنا وأبوك كنا بعيدين عن بعض، لكن ده ما يبررش حاجة. أنا كذبت. أنا خنت ثقة البيت. أنا كنت الكبيرة.
قلت
وحملتيني الذنب.
ارتجف ذقنها.
آه.
تلك الكلمة فعلت
بكت نور خلفي.
نظرت أمي إليها بحنان وصل متأخرًا جدًا.
نور
قالت نور وهي تمسح دموعها
لا. ما تكلمينيش بحنية دلوقتي.
خفضت أمي رأسها.
في تلك اللحظة، دخل ولد صغير بزي المدرسة، يحمل شنطة زرقاء وكيس عيش في يده.
كان عمره حوالي إحدى عشرة سنة.
توقف عندما رآنا.
كانت عيناه عيني أمي.
كان الخبر صحيحًا.
انقبض صدري بطريقة جديدة.
أكثر قسوة.
سأل الولد
مين دول؟
مسحت أمي يديها في المريلة.
كريم، روح عند طنط عفاف شوية.
دول زباين؟
لم يرد أحد.
نظر الولد إلى نور، ثم إليّ.
وفهم شيئًا ما.
ربما من الشبه.
وربما من الصمت.
ترك كيس العيش على الكرسي وخرج دون أن يعترض.
شعرت أنني عدت إلى سن الثانية عشرة.
قلت
هو ده اللي ربيتيه.
وضعت أمي يدها على صدرها.
آه.
هو ده اللي عملتيله سندوتشات، وراجعتي له واجباته، واشتريتي له جزمة المدرسة، وروحتي حفلاته.
قالت بصوت مكسور
آه.
وإحنا سيبتينا.
قالت
آه.
كل آه كانت حجرًا.
لكنها على الأقل لم تعد تبني كذبة فوق كذبة.
قالت
سامح سابني لما كريم كان عنده سنتين. راح مع واحدة تانية من الشغل. فضلت هنا أشتغل في الشعر والأظافر، وأبيع منتجات تجميل للزبائن. مش بقولك كده عشان تصعب عليكي. بس اللي عملته رجع
قلت
وده خلاكي ما ترجعيش؟
قالت
ما رجعتش لأنني كنت جبانة تاني. أبوك قفل الباب في وشي مرة، وأنا قبلت العقاب كأنه عدل. لكن الأم اللي عايزة تشوف بناتها ما توقفهاش باب مقفول.
امتلأت عيناي بالدموع.
هذا ما كنت أحتاج سماعه.
ليس أنها تعبت.
ولا أن الحياة عاقبتها.
ولا أنها اشتاقتنا في السر.
كنت أحتاج أن تقول إنها كان يجب أن تحاول.
أكملت
كان لازم أروح مدرستك. كان لازم أقعد تحت البيت حتى لو طردتيني قدام الناس. كان لازم أقولك بصوتي إنك ما كسرتيش حاجة. لكنني خفت تشوفيني على حقيقتي.
قلت
أنا كنت طفلة.
قالت
عارفة.
مش القاضي بتاعك.
عارفة.
مش عدوتك.
غطت أمي فمها وبكت أخيرًا.
لكن دموعها لم تعد تحكمني.
قديماً، لو بكت أمي، لكنت جريت إليها.
لكنت اعتذرت لأنني موجودة.
لكنني الآن في الرابعة والعشرين.
وبقيت واقفة.
رن الجرس فوق الباب مرة أخرى.
دخل أبي.
وخلفه جاءت مي.
لا أعرف من اتصل بهما.
ربما نور.
وربما الوجع نفسه، لأنه يعرف كيف يجمع كل المخطئين في غرفة واحدة.
نظرت أمي إلى أبي بعد أكثر من عشر سنوات.
لم يكن هناك حب.
ولم يكن هناك كره صافٍ أيضًا.
كانت هناك بقايا كثيرة فقط.
قالت
حسام.
قال
منى.
مرت مي بينهما ووقفت أمام أمي مباشرة.
فاكراني؟
بكت أمي أكثر.
كل يوم.
هزت مي رأسها.
لا. ما تديش لنفسك الجملة دي بسهولة. لو كنتِ فاكرانا كل يوم، كنتِ جيتي في يوم واحد.
كان كلامها دقيقًا كطعنة.
وأمي تقبلته.
نظر أبي إليّ.
أنا كمان ظلمتكم.
التفتت مي نحوه.
بلاش تبدأ.
قال
لازم أقول.
سكت المكان كله.
وفي الخارج، كانت القاهرة مستمرة كأن شيئًا لا يحدث.
سيارات تمر.
بائع ينادي.
امرأة تساوم على سعر كيس خضار.
والدنيا تكمل طريقها بينما عائلتنا تنفتح من الداخل أمام مرآة قديمة وصف من زجاجات طلاء الأظافر.
قال أبي
أنا خبيت الرسائل. حرمتكم تختاروا. كنت فاكر إني بحميكم، لكنني كنت بعاقبها هي كمان. وفي العقاب ده، سبتكم من غير إجابات.
احتضنت نور نفسها بذراعيها.
أنا كنت بدعي ماما ترجع.
انهار أبي باكيًا.
سامحيني يا بنتي.
قالت نور
أنا مش صغيرة. ومش عارفة أقدر أسامح ولا لا.
أومأ برأسه.
تقدمت أمي خطوة نحونا، لكنها توقفت قبل أن تلمس أي واحدة منا.
لأول مرة، احترمت المسافة.
قالت
أنا مش طالبة ترجعوني زي الأول. ما بقاش لي حق. لكن لو في يوم حبيتوا تسألوا، هجاوب. من غير كذب. من غير ما ألومكم. ومن غير ما أعمل نفسي ضحية.
أخرجت الرسالة من الظرف.
ورفعتها أمامهما.
قلت
أنا ما دمرتش البيت.
ارتجف صوتي، لكنه لم
إنتِ دمرتيه لما كذبتي يا ماما. وإنت يا بابا شوّهت الحقيقة لما خبيتها. أما أنا فكنت مجرد طفلة شافت حاجة ما كانش ينفع تشيلها وحدها.
لم يتكلم أحد.
كررتها.
ليس لأجلهم.
بل لأجل سارة ذات الاثني عشر عامًا، التي ظلت واقفة خلف عربة الذرة، تضم حقيبتها إلى صدرها وتشعر أن الدنيا كلها سقطت فوقها.
ما كانش ذنبي.
اقتربت نور واحتضنتني.
ثم جاءت مي.
بكينا نحن الثلاثة معًا.
لكن هذه المرة لم نبكِ كبنات يتيمات.
بكينا كأخوات وجدن أخيرًا الاسم الحقيقي لجرحهن.
لم تدخل أمي في الحضن.
ولم يدخل
متابعة القراءة