في سن الثانية عشرة كشفتُ سر أمي… وبعد سنوات اكتشفتُ الحقيقة التي أخفاها الجميع عني

لمحة نيوز

أما ما كان مكتوبًا داخل تلك الرسالة، فكان أول جملة قلبت كل شيء
ماما رجعت فعلًا يا سارة.
شعرت أن الكيس كاد ينزلق من يدي.
إنتِ قلتي إيه؟
ضغطت نور على شفتيها، كأن الجملة كانت محبوسة داخلها منذ سنوات.
ثم أخرجت مجموعة أخرى من الأوراق القديمة إيصالات تحويل، أظرف صفراء، عنوان مكتوب أكثر من مرة، وصورة لأمي تبدو فيها أكبر سنًا، واقفة أمام كوافير صغير بستارة وردية.
على اللافتة كان مكتوبًا
موني شعر، صبغة، وأظافر
وتحت الصورة، كتب أحدهم بقلم أزرق
المعادي شارع جانبي قرب محطة المترو.
ظللت أنظر إلى الكلمة كأنها كذبة.
المعادي لم تكن آخر الدنيا.
لم تكن بلدًا بعيدًا.
كانت داخل نفس المدينة التي كبرنا فيها ونحن نعتقد أن أمنا تبخرت من حياتنا إلى الأبد.
همست
بابا كان عارف.
خفضت نور عينيها.
أظن آه.
فتحت الورقة التي كان اسمي مكتوبًا عليها.
كانت رائحتها تشبه الورق المحبوس في درج مغلق لسنوات طويلة.
خط أمي كان مرتجفًا في بعض السطور، لكنه ظل نفس الخط الذي كانت تكتب به قائمة طلبات البيت، ونفس الملاحظات الصغيرة التي كانت تتركها على باب الثلاجة وأنا طفلة.
سارة
لا أعرف إن كان والدك سيعطيك هذه الرسالة يومًا.
ولا أعرف إن كنت أستحق أن تقرئيها.
لكنني أحتاج أن تعرفي شيئًا واحدًا، حتى لو كرهتِني

طوال عمرك.
لم يكن الأمر ذنبك.
أنا كنت قد كسرت البيت قبل أن تفتحي فمك.
أنتِ قلتِ الحقيقة فقط.
أما الجبانة فكنت أنا.
جلست على طرف السرير لأن قدمي لم تعد قادرة على حملي.
اثنا عشر عامًا وأنا أكرر تلك الجملة داخل رأسي
كل ده بسببك.
حملتها في ظهري.
وفي صدري.
وتحت لساني.
ثم جاءت أمي، بعد كل هذه السنوات، لتكتب في ورقة مطوية أنني لم أكن السبب.
وكأن الحبر قادر على إنقاذ طفلة دُفنت حيّة داخل ذنب لم يكن لها.
سألت بصوت مبحوح
الرسالة دي وصلت إمتى؟
أرتني نور الظرف.
الختم كان منذ تسع سنوات.
تسع سنوات.
كنت وقتها في الخامسة عشرة.
أبكي في حمام المدرسة حتى لا تراني زميلاتي.
وكانت مي تتظاهر بالقوة.
ونور تسأل لماذا تأتي أمهات البنات إلى الحفلات المدرسية بينما نحن لا تأتي لنا أم.
وكان أبي يقول إن منى اختارت أن تنسانا.
خرجت من الغرفة والكيس في يدي.
كان أبي في المطبخ يغسل الأطباق.
نفس المطبخ.
نفس صوت الماء.
نفس الظهر المتعب الذي دافعت عنه طوال عمري.
قلت
ليه خبيت الرسائل؟
لم يلتفت فورًا.
وكان صمته إجابة قبل أن يتكلم.
أغلق الماء.
جفف يديه في فوطة قديمة.
وعندما رأى الكيس، انهار وجهه كجدار قديم.
سارة
قلت بحدة
ما تقوليش سارة بالطريقة دي.
خرج صوتي غريبًا عني.
كانت
مي تجمع الأكواب من الصالة، فتوقفت مكانها.

وظهرت نور خلفي شاحبة، لكنها لم تهرب.
هذه المرة، لم تكن واحدة منا ستختبئ في الممر.
قلت
إنت قلت لنا إنها ما رجعتش.
قلت إنها ما اتصلتش.
ما سألتش.
ما حاولتش تعرف عنا حاجة.
رفع أبي يده إلى جبينه.
رجعت مرة.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
إمتى؟
قال بصوت منخفض
بعد ست شهور.
سقط الكوب من يد مي فوق الكنبة.
لم ينكسر، لكن صوته كان كافيًا ليكسرنا نحن الثلاثة.
سألت نور بصوت عاد طفوليًا فجأة
شفتها؟
أغمض أبي عينيه.
آه.
قلت
وعملت إيه؟
تأخر كثيرًا قبل أن يجيب.
ما خلتهاش تدخل.
لم يتنفس أحد.
أكمل
كنتم منهارين. أنتِ ما كنتيش بتاكلي. مي كانت بتصحى مرعوبة كل ليلة. ونور كانت بتتعب كل أسبوعين. وهي جت كأنها تقدر تخبط الباب وتقول آسفة وخلاص. أنا ما قدرتش.
قلت
ما قدرتش؟ ولا ما حبيتش؟
نظر إليّ أبي.
لم أره عجوزًا هكذا من قبل.
قال
ما حبيتش.
سقط الاعتراف دون صراخ.
لكنه آلمنا كصفعة.
كنت أحبه.
وما زلت أحبه.
وهنا كانت المشكلة.
لأن بعض الناس الذين ينقذونك يخفون عنك جرحًا كاملًا لأنهم لا يريدون النظر إليه.
قلت
سبتني أصدق إني أنا اللي طردتها من حياتنا.
قال بصوت مكسور
كنت فاكر إنك لو كرهتيها هي هتتوجعي أقل.
قلت
أنا كرهت نفسي
يا بابا.

هنا انكسر.
تمسك بطرف الطاولة وكأن الأرض سحبت من تحت قدميه.
غطت مي فمها بيدها.
وبدأت نور تبكي بصمت، كما كانت تفعل وهي صغيرة حتى لا تزعج أحدًا.
قال أبي
سامحيني.
لكن في تلك الليلة، لم يجد اعتذاره مكانًا يجلس فيه.
في الصباح التالي، أخذت المترو إلى المعادي.
أصرت نور أن تأتي معي.
أما مي فلم تستطع.
قالت إنها لو جاءت، ستصرخ في وجه أحدهم حتى يضيع صوتها.
حاول أبي أن يرافقنا.
لكنني قلت له لا.
لأول مرة في حياتي، لم يكن من حقه أن يقرر كيف يجب أن تؤلمني الحقيقة.
خرجنا من شبرا والسماء ما زالت باهتة.
كانت القاهرة تستيقظ ببطء.
باعة الشاي، عربات الفول، زحام الميكروباصات، ووجوه الناس التي تحمل تعب الصباح قبل أن يبدأ اليوم أصلًا.
في الطريق، كانت نور تنظر من النافذة بصمت.
ثم سألتني
تفتكري هتستقبلنا؟
نظرت إلى الرسالة بين أصابعي.
مش عارفة أنا أصلًا هقدر أستقبلها ولا لا.
وصلنا إلى المعادي قرب الظهر.
الشوارع هناك أهدأ من شبرا، لكنها لم تكن غريبة.
أشجار قديمة، عمارات متوسطة، محلات صغيرة، ناس تسير بسرعة، ورائحة قهوة خارجة من كشك قريب.
مشينا في شارع جانبي حتى وصلنا إلى العنوان.
كان الكوافير هناك.
ستارة وردية.
لافتة باهتة.
وأصيص زرع صغير بجانب الباب، نصفه يابس ونصفه
ما زال يحاول الحياة.

شعرت بالغثيان.
أمسكت نور يدي.
مش لازم تدخلي لوحدك.
دفعت الباب.
رن جرس صغير فوق رؤوسنا.
في الداخل، كانت الرائحة خليطًا من صبغة الشعر، والأسيتون، وشامبو رخيص.
كرسيان.
مرآة كبيرة أطرافها قديمة.
زجاجات طلاء أظافر مرتبة حسب الألوان.
وراديو صغير يشغل أغنية قديمة لعبد الحليم.
كانت امرأة منحنية تجمع فوطًا من الأرض.
قالت دون أن تنظر إلينا
ثواني يا حبيبتي وجاية.
ثم رفعت وجهها.
وسقطت الفوط من يدها.
لم تصرخ.
لم تركض
تم نسخ الرابط