هل أستطيع التوقف عن الحبوب؟ سؤال تالا كشف السرّ الذي أخفته أم مازن داخل بيتنا
سارة تكرهني لأنها لا تقبل نصيحتي ولا تعرف كيف تربي.
سألتها المحامية بهدوء قاسٍ
وهل طريقتك في التربية تشمل إعطاء دواء للكبار لطفلة عمرها أربع سنوات؟
صمتت.
ثم نظرت إلى مازن.
كانت تنتظر أن ينقذها.
وقف مازن عندما جاء دوره في الكلام.
قال بصوت مهتز
أمي لم تساعد. أمي آذت ابنتي. وأنا كنت جبانًا لأنني صدقتها أكثر من زوجتي.
لم أسامحه.
لكنني سمعته.
وهذا شيء مختلف.
صړخت أم مازن
بعد كل ما فعلته من أجلك؟
دمعت عينا مازن.
هذا أكثر شيء يخيفني.
استمرت الإجراءات.
وبقي قرار الحماية قائمًا.
لم تعد أم مازن إلى بيتي.
وأنا أيضًا لم أعد إليه.
ذهبت مع رنا لأخذ الملابس، وألعاب تالا، والأوراق المهمة.
كانت كوب الشاي الخاص بأم مازن لا يزال على الطاولة.
وكريماتها في الحمام.
وفي خزانة المطبخ، كانت علبة الفيتامينات المزيفة التي استخدمتها كقناع.
رميت كل شيء.
ليس تنظيفًا.
بل كأنني أخرج ظلّها من البيت.
بدأت تالا جلسات دعم نفسي.
في البداية لم تتكلم.
كانت ترسم فقط.
طفلة صغيرة داخل سرير كبير.
ثم بابًا.
ثم أمًا تقف خارج الباب.
وبعد أيام، رسمت الأم وهي تدخل.
علّقت ذلك الرسم على ثلاجة بيت رنا.
لم أعلّقه كذكرى جميلة.
علّقته كخريطة خروج.
مرّت أشهر.
طلب مازن أن يعود.
ليس إلى البيت.
بل إلى حياة تالا بطريقة صحيحة.
قال في إحدى الزيارات المشرفة
أنا
نظرت إليه.
كان متعبًا.
نحيفًا.
وكأنه خرج من جلد قديم.
قلت
جيد أنك بدأت تفهم. لكن لا تستخدم فهمك الجديد كمفتاح لتدخل حياتنا فجأة.
هز رأسه.
أعرف.
خرجت تالا من غرفة اللعب وهي تحمل ورقة.
ماما، انظري. هذه أنا أصرخ.
كان في الرسم وجه طفلة بفم كبير، وحولها خطوط صفراء.
سألتها
لماذا تصرخين؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكنها كانت ابتسامتها هي.
لأنني أستطيع.
غطى مازن وجهه بيده.
أما أنا، فشعرت أنني سأبكي.
لكن هذه المرة لم يكن بكاء خوف.
كان بكاء عودة.
بعد عام، لم تعد تالا تسأل إن كان مسموحًا لها أن تتوقف عن الحبوب.
صارت تسأل إن كان يمكنها ارتداء حذائها الأحمر.
إن كان يمكنها عمل ضفيرتين.
إن كان يمكنها الغناء في الحمام حتى لو وصل الماء إلى الأرض.
كنت أقول نعم غالبًا.
وعندما أقول لا، أشرح لها السبب.
لأنني تعلمت أن الحدود لا يجب أن تبدو كټهديد.
بل كحماية.
بقيت أم مازن بعيدة عنا.
أحيانًا يظهر اسمها في ورقة.
تبليغ.
جلسة.
تقرير.
لكن ظلّها لم يعد يدخل بيتنا.
انتقلت أنا وتالا إلى شقة صغيرة قريبة من المنصور.
ليست فاخرة.
لكن فيها ضوء صباح جميل، ونافذة وضعت عندها تالا نبتة ريحان صغيرة.
في بعض الأيام كنا نمشي قرب المتنبي أو نذهب مع رنا إلى مكان هادئ قرب دجلة.
كنت أحاول أن أعيد لبغداد شكلها الطبيعي في عين ابنتي.
مدينة.
وليست ذاكرة خوف.
ذات يوم طلبت تالا أن ترى أباها.
لم تطلب أن تراه وحدها.
بل معي.
ذهبنا إلى مكان الزيارة المحدد.
جاء مازن ومعه قصة أطفال.
لم يحاول أن يعانقها حتى اقتربت هي.
وهذا أيضًا كان تقدمًا.
أن يتعلم الانتظار.
جلست تالا أمامه.
وسألته فجأة
بابا أنت كنت تعرف؟
ابتلع ريقه.
أردت أن أتدخل.
لكنني لم أفعل.
ابنتي تستحق جوابًا مباشرًا.
قال
في البداية لا. وبعدها بدأت أرى أشياء ولم أسأل، لأنني كنت أخاف من أمي. وهذا كان خطأ.
نظرت تالا إلى حذائها الأحمر.
أنا أيضًا كنت أخاف ومع ذلك قلت.
أغمض مازن عينيه.
أنتِ كنتِ أشجع مني.
هزّت رأسها وكأنها تعرف ذلك أصلًا.
ثم أعطته القصة.
اقرأ لي لكن لا تغيّر صوتك بطريقة غريبة.
ضحك وهو يبكي.
لا أغيّر صوتي بطريقة غريبة.
قالت بجدية
بلى، تفعل.
ولأول مرة منذ وقت طويل، سمعت ابنتي تصحح كلام شخص كبير دون خوف.
وكان هذا أجمل حكم سمعته.
ليس حكم المحكمة.
بل هذا.
الحياة لم تعد كما كانت.
هي لا تعود كما كانت أبدًا.
لكنها عادت لتكون حياتنا.
استرجعت تالا ضحكتها على مراحل.
أولًا في النوم.
ثم في الحمام.
ثم عندما سقطت قطعة خبز من يدها وخطڤها قط رنا الصغير.
ثم في يوم عادي، دون مقدمة، ملأت ضحكتها الغرفة كلها.
كنت أحمل سلة ملابس.
وتوقفت
وبكيت.
توقفت تالا عن الضحك وسألت
هل فعلت شيئًا خطأ؟
تركت السلة وضممتها.
لا يا روحي. أنتِ فقط أصدرتِ صوتًا.
وهل هذا جيد؟
هذا أجمل شيء.
ما زلت أحتفظ بالعبوة البرتقالية داخل كيس مختوم، في صندوق مع الأوراق.
ليس حبًا في تذكر الألم.
بل حتى لا أنسى.
حتى لا أنسى أن الخطړ لا يدخل دائمًا من نافذة مکسورة.
أحيانًا يدخل بحقيبة صغيرة، وكوب شاي، وركبة ملفوفة، وعبارات مثل
أنا أعرف ماذا أفعل.
وأحتفظ أيضًا بأول رسم رسمته تالا في جلسات الدعم.
الطفلة النائمة.
وبجانبه آخر رسم.
الطفلة التي تصرخ وحولها خطوط صفراء.
عندما يسألني أحد كيف عرفت أن هناك شيئًا خطأ، لا أبدأ بالتحاليل ولا الدفتر ولا الرسائل.
أحكي عن ذلك المساء.
عن ابنتي ذات الأربع سنوات، وهي تشدني من طرف سترتي في مطبخ صغير في الكرادة، وتسألني إن كان مسموحًا لها أن تتوقف عن الحبوب.
لا يجب على طفلة أن تنقذ نفسها.
لكن تالا تكلمت.
وأنا سمعتها.
وكان ذلك الباب الذي خرجنا منه.
اسمي سارة.
أنا أم تالا.
لم أعد أعيش في البيت الذي كانت أم مازن تطفئ فيه التلفاز فجأة.
ولم أعد أخلط بين الهدوء والسلام.
ولم أعد أسمح لأحد أن يصف طفلة صامتة بأنها مؤدبة بينما هي خائڤة.
كل صباح، عندما تستيقظ تالا بشعرها المجعد، وعينيها اللامعتين، وأسئلتها الكثيرة، أفتح النافذة، وأحضّر لها الفطور،
تغني.
تضحك.
تسأل.
تغضب.
وتعيش.
لأن البيت الذي تستطيع فيه طفلة أن تصدر صوتًا دون خوف ليس بيتًا فوضويًا.
بل بيت عادت إليه العدالة.