هل أستطيع التوقف عن الحبوب؟ سؤال تالا كشف السرّ الذي أخفته أم مازن داخل بيتنا
المحتويات
إلى بيت للنساء الحزينات.
تجمدتُ.
أي بيت؟
حاولت تالا أن تتذكر.
المكان الذي يأخذون إليه الأمهات اللواتي يبكين. قالت إنني سأعيش معها لأنها تعرف كيف تجعلني هادئة.
كان مازن واقفًا عند الباب.
سمع كل شيء.
وضع يده على فمه.
لأول مرة رأيت الخۏف في وجهه.
ليس مني.
بل من الكلام الذي قيل لابنته خلف الأبواب.
اقترب وسأل بصوت مكسور
تالا جدتك كانت تعطيك الحبوب عندما تكون ماما في المطبخ؟
نظرت إليه تالا بحذر.
وأنت نائم أيضًا.
كم حبة؟
رفعت إصبعين صغيرين.
ثم ترددت.
ورفعت الثالث.
شعرتُ أنني أموت من الداخل.
استند مازن إلى الجدار.
يا رب
قلت
لا تذكر ربنا الآن. أنت من أدخل أمك إلى بيتنا.
وقعت الجملة عليه بقسۏة.
وكان يجب أن تؤلمه.
عند الثانية فجرًا، وصل رجلان من الجهات المختصة ومعهما موظفة حماية الأسرة.
أخذوا إفاداتنا.
استلموا العبوة.
وطلبوا تفتيش البيت بموافقة مازن.
حاولت أم مازن المغادرة، لكن أحدهم طلب منها البقاء.
ابتسمت بسخرية.
لا أحد يستطيع محاسبتي لأنني اعتنيت بحفيدتي.
خرجتُ إلى الممر وقلت
أنتِ لم تعتني بها. أنتِ أخمدتِها.
اقتربت مني أكثر مما يجب.
أنتِ لم تكوني كافية لمازن يومًا. ولن تكوني كافية لهذه الطفلة.
ظهر مازن خلفي.
قال لأول مرة بصوت حازم
أمي، اسكتي.
التفتت إليه كأنه ضربها.
ماذا قلت؟
قلت اسكتي.
لأول مرة فقدت السيطرة.
كل ما فعلته كان من أجلك. هذه
قال مازن
أعطيتِ دواءً لابنتي.
لأنك لا تعرف كيف تكون رجل البيت.
بيتي لم يكن يحتاج إلى أوامر. كان يحتاج فقط ألا تدخليه أنتِ.
نظرت إليه أم مازن پحقد واضح.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا أخطر.
لم يكن هذا حب أم.
كان امتلاكًا.
بالنسبة لها، مازن لا يزال طفلًا يجب أن يبقى تحت يدها.
وتالا عقبة.
وأنا دخيلة.
عندما ذهبوا إلى الشقة، أعطاهم مازن المفاتيح.
أما أنا فلم أستطع العودة.
بقيت مع تالا تحت المراقبة حتى الصباح.
في السابعة صباحًا، عادت موظفة الحماية ومعها كيس أدلة.
داخله دفتر صغير.
عرفته فورًا.
كان دفتر أم مازن الذي كانت تحمله دائمًا في حقيبتها وتقول إنه للملاحظات.
لكنها لم تكن ملاحظات عادية.
كانت مواعيد.
730 نصف حبة قبل الفطور.
1200 إذا بدأت بالبكاء.
600 قبل وصول س.
يجب أن تبدو س مرهقة.
يجب أن تفقد س أعصابها أمام م.
س هي أنا.
م هو مازن.
كما وجدوا نسخًا من رسائل بينها وبين محامٍ.
كانت تريد إثبات أنني غير مستقرة نفسيًا، وأن مازن يجب أن يطلب حضانة مؤقتة، بحجة أن تالا في خطړ معي.
كانت الخطة واضحة.
إضعاف ابنتي.
استنزافي.
استفزازي.
جعلي أبدو كأم غير متزنة.
ثم أخذ تالا مني.
قرأ مازن الأوراق ويداه ترتجفان.
سارة
قلت فورًا
لا.
دعيني أتكلم.
لا مكان لكلامك الآن.
لم أكن أعرف.
نظرت إليه.
لكنك وقّعت شيئًا، أليس كذلك؟
لم يرد.
اقتربت خطوة.
ماذا وقّعت يا مازن؟
أخرج هاتفه وفتح ملفًا.
كان تفويضًا.
لم يكن حكمًا قانونيًا، لكنه كان كافيًا لتمزيق قلبي.
يفوّض أمه باستلام تالا من الروضة، واتخاذ قرارات رعاية في غياب الأم أو عند تعرضها لأزمة، ومرافقته في أي إجراء عائلي يخص الطفلة.
قال بصوت مېت
قالت لي إنه احتياط لو حدث لكِ شيء.
قلت
الشيء الذي كان يحدث لي هو أمك.
جلس على الكرسي.
بدا كرجل اكتشف أن طفولته كلها لم تكن بيتًا، بل قفصًا.
لكنني لم أكن قادرة على إنقاذه.
في تلك الليلة، كانت لدي قوة واحدة فقط.
أن أنقذ تالا.
خرجت ابنتي من المستشفى بعد يومين بحالة مستقرة.
قال الطبيب إن هناك متابعة، وتحاليل أخرى، ودعمًا نفسيًا للطفلة.
لم يعطني طمأنينة كاذبة.
وشكرته على ذلك بصمت.
ذهبت أنا وتالا إلى بيت أختي رنا في الأعظمية.
وصلت رنا بسيارتها ومعها بطانية صغيرة، وحساء دافئ، وذلك الڠضب الهادئ الذي يظهر في وجه النساء عندما يمس أحدٌ طفلًا من دمهن.
قالت وهي تفتح الباب
هنا لا يدخل أحد إلا بإذنك.
نامت تالا على فرشة صغيرة بجانب سريري.
قبل أن تغمض عينيها سألتني
إذا كنت مزعجة هل تعطيني حبة؟
تمدّدتُ قربها.
إذا كنتِ مزعجة، نغني بصوت أعلى.
وإذا ڠضبت؟
نتنفس معًا.
وإذا كنت سيئة؟
أمسكت وجهها الصغير بين يدي.
أنتِ لستِ سيئة.
ارتجفت شفتها.
جدتي كانت
قلت
جدتك كانت تكذب.
صمتت قليلًا.
ثم سألت
وبابا أيضًا؟
انكسر شيء داخلي.
بابا لم ينظر عندما كان يجب أن ينظر.
لم تفهم تالا كل المعنى.
لكنني فهمته جيدًا.
في اليوم التالي، صدر قرار مؤقت يمنع أم مازن من الاقتراب من تالا أو التواصل معنا.
أما مازن، فلم يُسمح له برؤية ابنته إلا تحت إشراف إلى أن تنتهي الإجراءات والتحقيقات.
لم يعترض.
وكان ذلك أول تصرف صحيح يفعله.
أما أم مازن، فلم تصمت.
بدأت ترسل رسائل من أرقام غريبة
ستندمين.
تالا تحتاجني.
البنات بلا تربية يفسدن.
أنا أعرف عنك أشياء.
كانت رنا تطبع كل رسالة وتضعها في ملف.
وتقول
دعيها تكتب. من يريد إخفاء الحقيقة لا يترك هذا الكم من الآثار.
أدليت بإفادتي أكثر من مرة.
وأدلى مازن بإفادته.
أما تالا، فتحدثت مرة واحدة مع مختصة، باستخدام الرسوم والدمى.
عندما سألوها ماذا كانت تفعل الجدة، وضعت دمية صغيرة على السرير، ودمية كبيرة واقفة فوقها.
وقالت
كانت تجعلها تنام حتى لا تزعج أحدًا.
لم يتكلم أحد لعدة ثوانٍ.
وضعتُ يدي على فمي حتى لا أصرخ.
بعد أسابيع، بدأت الإجراءات ضد أم مازن پتهمة تعريض طفلة للخطړ وإيذائها داخل الأسرة.
لم تكن النهاية فورية.
العدالة لا تأتي مثل المطر المفاجئ.
تأتي كملف.
وتوقيع.
وموعد.
وانتظار طويل.
لكنها بدأت.
في أول جلسة، ظهرت أم مازن بعباءة مرتبة، ووجه امرأة مظلومة، وعكاز في يدها.
العكاز مرة أخرى.
كدت أضحك من شدة القهر.
عُرض الدفتر.
والرسائل.
والعبوة.
والتحاليل.
والتفويض.
وكلام تالا.
بكت أم مازن حين احتاجت إلى البكاء.
قالت
أنا فقط أردت أن أساعد.
متابعة القراءة