عشتُ أظن أن زوجي يعاقبني… حتى كشف الطبيب الحقيقة

لمحة نيوز

الضوء فجأة.
لا أطلب منك ذلك.
لكنني لا أريد أن أبقى سجّانك.
دمعت عيناي.
وأنا كنت سجّانة نفسي أيضًا.
لأول مرة، جلس جاسم بجانبي، لا أمامي.
كانت ركبتانا قريبتين جدًا.
تقريبًا تتلامسان.
وهذا التقريبًا كان أعمق من قبلات كثيرة في شبابنا.
مرّت أشهر.
تقدمت الشكوى بقدر ما يسمح الزمن.
حارث الربيعي وُجهت إليه اتهامات بتزوير أوراق وإصدار نتائج غير دقيقة، لكن محاميه اختبأوا خلف العمر، والوقت، والملفات الضائعة.
أما مازن، فقد مات قبل أن يسمع منا كلمة واحدة.
وهذا أغضبني.
بعض الأموات يهربون جيدًا من الحساب.
أعاد جاسم فحوصاته أكثر من مرة.
كلها سليمة.
والطبيب في المنصور قال لنا إن ما عشناه ليس مجرد سوء فهم، بل خوف طويل، وجرح مجمّد، وحزن لم يجد طريقة للخروج.
نصحنا بعلاج نفسي فردي وجلسات زوجية.
لم نكن نعرف إن كنا زوجين فعلًا
أم ناجيين فقط يعيشان تحت سقف واحد.
ذهبنا.
في البداية كان جاسم يجلس بعيدًا.
كنت أبكي كثيرًا.
وكان هو يتكلم قليلًا.
ثم بدأ يقول أشياء لم يقلها أبدًا.
قال إنه كان يستحم بماء شديد السخونة بعد كل مرة يراني أبكي فيها بصمت.
قال إنه اشترى مرة شيئًا كان يظن أنه قد يجعله يقترب مني بأمان، ثم رماه في القمامة من الخجل والخوف.
قال إنه في كل عيد كان يريد أن يقبّل رأسي، لكنه يتراجع لأن صوت ذلك الطبيب الكاذب كان يصرخ داخله
خطر.
أما أنا فقلت إنني اشتريت فستانًا
أحمر في عمر الثانية والخمسين، ثم خبأته داخل كيس أسود لأنني خجلت من رغبتي في أن يراني.
بكينا على أجساد كبرت دون وداع.
على سرير تحول إلى ملف قديم.
على أبناء تعلّموا الكلام بصوت منخفض.
في أحد الأيام، ذهبنا إلى كورنيش دجلة.
ليس للمحامين.
ولا للمستشفى.
بل لأننا لم نعرف إلى أين نذهب.
مشينا قرب الماء، والهواء يحمل رائحة رطوبة وباعة الشاي، والسيارات تمر خلفنا، وبغداد تبدو متعبة وجميلة في الوقت نفسه.
لم نكن نمسك أيدي بعضنا.
لكننا كنا نمشي بالخطوة نفسها.
جلسنا على مقعد قريب من النهر.
أخرج جاسم ورقة مطوية من جيبه.
قال
كتبت لك رسالة.
أعطاني إياها.
لم تكن طويلة.
إلهام عاقبتك بصمت عاقبني أنا أيضًا. ظننت أنني أحميك، لكنني كنت أختبئ. لا أعرف إن كنت أستحق الغفران، ولا أعرف إن كنتِ تستحقين غفراني، أو إن كانت هذه الحسابات انتهت منذ سنوات. لكنني أعرف أنني لا أريد أن أتكلم معك بعد اليوم من جرح رجل آخر.
قرأت الرسالة ثلاث مرات.
ثم أخرجت من حقيبتي ورقة أخرى.
لأنني أنا أيضًا كتبت.
جاسم خنتك لأنني اخترت ذلك، ولا توجد خدعة تمحو هذه الحقيقة. لكنني عشت ثمانية عشر عامًا أظن أن برودك حكم عادل عليّ، والآن أفهم أن الذنب بلا حقيقة يتحول إلى كذبة ثانية. لا أطلب منك أن تعود. أطلب فقط ألا نسمح لمازن أن يكون آخر رجل يقرر شكل حياتنا.
قرأها ببطء.
ثم نظر إلى دجلة.
وإذا كان الوقت
تأخر؟
قلت
إذن على الأقل لا نكمل كذبة.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
لم أرَ تلك الابتسامة منذ زمن بعيد.
لم يعد كل شيء مرة واحدة.
أول مرة احتضنني فيها كانت مرتبكة.
كنا في البيت، نحاول ترتيب صندوق أوراق قديمة، فسقطت صورة لنا من أيام الشباب.
كنا نقف قرب دجلة، نضحك، وأنا أمسك كوب عصير، وهو يضع يده خلف ظهري بثقة رجل كان يعرف طريقه إليّ.
ظل ينظر إلى الصورة طويلًا.
ثم اقترب مني.
واحتضنني.
ليس كزوج يطالب بحقه.
ولا كرجل تحركه رغبة.
بل كإنسان وجد شيئًا نجا من حريق قديم.
تجمدت في البداية.
ثم وضعت وجهي على صدره.
كان قلبه ما يزال هناك.
متعبًا.
قديمًا.
لكنه هناك.
لم ننم في غرفة واحدة تلك الليلة.
ولا التي بعدها.
لم نحوّل الحقيقة إلى نهاية وردية سهلة.
الحقيقة أيضًا تحتاج وقتًا حتى تتعافى.
لكن بعد شهر، وضع جاسم فنجانه الأزرق على الطاولة الجانبية في غرفتنا.
لم يقل شيئًا.
وأنا لم أقل شيئًا.
فقط أزحت بعض الأغراض، وتركت له مكانًا.
في مساء آخر، اتصلت سارة عبر الفيديو، فرأتنا جالسين معًا على الكنبة.
لسنا متعانقين.
لكننا معًا.
بقيت تنظر إلينا بصمت.
قالت
غريب أشوفكم هيچ.
سألها جاسم
غريب زين لو غريب مو زين؟
بكت.
غريب كان لازم يصير من زمان.
أما علي، فأخبرني بعد أسبوعين أنه بدأ جلسات علاج نفسي.
قالها كأنه يعترف بخطأ.
لا أريد أكرر حياتكم.
قلت له
افعلها أفضل منّا.
اليوم لا أعرف
ماذا أسمي زواجي.
نحن لسنا كما كنا.
ولسنا غرباء.
أحيانًا يمسك جاسم يدي ونحن نعبر الشارع، وهذا الفعل الصغير يخطف أنفاسي أكثر من أي كلام كبير.
وأحيانًا أراه ينظر إليّ وفي عينيه ظل قديم.
وأحيانًا أستيقظ أنا وذنب السنوات يعض قلبي من جديد.
لكننا نتكلم.
أخيرًا نتكلم.
تعلمت أن الذنب قد يكون عادلًا في البداية، لكنه إذا بقي وحيدًا طويلًا، يربي وحوشًا داخله.
أنا كنت مذنبة بخيانتي.
وجاسم كان مذنبًا بصمته.
ومازن وأخوه كانا مذنبين بقسوة محسوبة.
لم يخرج أحد منا نظيفًا.
لكن الحقيقة لم تأتِ كي تنظفنا.
جاءت كي تجعلنا نختار.
في صباح هادئ، بعد عام تقريبًا من ذلك الفحص، دخل جاسم إلى المطبخ يحمل فنجاني قهوة.
وضع فنجاني أمامي.
لم تكن قهوة معاد تسخينها.
كانت طازجة.
قال
إلهام.
رفعت عيني.
نعم؟
تردد.
هذا الرجل الذي حمل أدوات ثقيلة، وسككًا، ووجعًا، وصمتًا طويلًا
تردد مثل شاب صغير.
قال
تمشين معي؟
لم يقل هل تسامحينني؟
ولم يقل هل نعود؟
قال فقط
نمشي.
نظرت من النافذة.
مازن صار ماضيًا.
والملف صار محفوظًا.
والأولاد بدأوا يتعلمون الكلام من جديد.
والبيت، بيتنا، لم يعد باردًا كما كان.
أخذت عباءتي الخفيفة.
وقلت
نعم يا جاسم.
خرجنا.
كانت بغداد تفوح برائحة خبز الصباح، ومطر قديم، وشارع بدأ يستيقظ ببطء.
مشى إلى جانبي.
وبعد نصف شارع، بحثت يده عن يدي.
هذه المرة
لم يتوقف.
وفهمت أن بعض
البيوت المكسورة لا تعود كما كانت.
لكن بعضها، إذا نجا
من الكذبة الصحيحة، لا يعود بيتًا فقط
بل يتحول إلى طريق يمشي فيه اثنان، ببطء، لكن بصدق.

تم نسخ الرابط