ظننت أمي تبالغ… حتى أمسكت حماتي الميكروفون أمام الجميع

لمحة نيوز

خطيبي.
وعشان كذا بالضبط.
استندت على العمود القريب، بينما كانت أصوات الحفل المحطم تصلنا من الداخل.
حتى الفرقة بدأت تعزف بهدوء مرتبك، وكأنهم لا يعرفون كيف يهربون من الكارثة.
قلت بصوت مكسور
كيف عرفتي؟
شدّت حقيبتها إلى صدرها وقالت
سمعتها.
مين؟
أم فيصل يوم تجربة العشاء قبل الزفاف.
تذكرت ذلك اليوم فورًا.
طاولة طويلة.
أطباق فاخرة.
وأم فيصل تشتكي من تفاصيل القائمة.
قالت أمي
ظنت إني دخلت معها دورة المياه لكنها كانت تتكلم بالجوال مع صديقتها. قالت إنك نعمة لأن فيصل أخيرًا دخل حي النخيل بدون ما يدفع ريال.
اختفى الهواء من صدري.
وأكملت أمي
وقالت بالبداية بتسكنون عندك، وبعدها هي تنتقل عندكم بحجة التعب والصحة وبعدها يشوفون طريقة يقنعونك تبيعين الشقة وتدخل باسم العائلة.
همست
لا
قالت
فيصل كان واقف جنبها وسمع كل شيء.
ثم أضافت بصوت موجوع
وكل اللي قاله المهم نتزوج أول.
شعرت بالغثيان.
المهم نتزوج أول.
كأنني مجرد بوابة قانونية
وليست امرأة أحبها.
وصلت السيارة أخيرًا.
ركبنا بصمت ثقيل.
كنت أجلس في الخلف بفستان الزفاف، أمسك حذائي بيدي، بينما آثار المكياج بدأت تنزل على وجهي ببطء.
ومن خلف زجاج السيارة، كانت أضواء الرياض تبدو هادئة بشكل مستفز وكأن شيئًا لم يتحطم قبل دقائق داخل تلك القاعة.
تذكرت شقتي.
الممرات الهادئة.
القهوة التي كنت أشربها صباحًا قرب النوافذ الكبيرة.
والحياة التي تخيلت أنني سأبنيها
مع فيصل.
كل ذلك
كاد يتحول إلى غنيمة باسم الزواج.
ولأول مرة فهمت لماذا كانت أمي ترتجف وهي تطلب مني نقل الشقة باسمها.
وصلنا إلى منزل أهلي بعد منتصف الليل.
دخلت غرفتي القديمة وأنا ما زلت أرتدي الفستان الأبيض.
نزعت الأقراط.
ثم الكعب.
ثم جلست على طرف السرير أحدّق في المرآة.
كنت أبدو كعروس انتهى حفلها منذ سنوات، لا منذ ساعات.
دخلت أمي بعد وقت قصير تحمل كوب بابونج ساخن.
وضعت الكوب أمامي وقالت
بكرة نراجع المحامي.
رفعت رأسي ببطء
للطلاق؟
قالت بهدوء
لكل شيء يحميك.
سكتُّ للحظة.
ثم همست
شكرًا يا أمي.
جلست بجانبي.
ولأول مرة منذ بداية الكارثة
رأيتها تبكي.
لم يكن بكاءً عاليًا.
بل ذلك البكاء المتعب الذي يخرج من امرأة عاشت طويلًا بما يكفي حتى تتعرف على الخطر قبل وصوله.
قالت بصوت مكسور
والله يا بنتي كنت أتمنى أكون غلطانة.
ارتميت في حضنها.
وفي تلك اللحظة فهمت أن شدتها لم تكن سيطرة
بل خوفًا قديمًا ترك ندبة داخلها.
في صباح اليوم التالي
كان هاتفي يشتعل بالرسائل.
فيصل.
أم فيصل.
أقاربه.
صديقات والدته.
رسائل طويلة عن سوء الفهم.
وعن أن أمي خربت الزواج.
وعن أنني بالغت.
ثم وصلتني رسالة من أم فيصل تقول
البيت ما يسوى أكثر من العائلة.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم كتبت لها
إذن اشتروا بيتًا لعائلتكم.
وبعدها حظرتها.
عند الساعة الحادية عشرة صباحًا
وصل فيصل إلى منزل أهلي.
لم يسمح له والدي بالدخول.
لكنني نزلت.

كنت بحاجة أن أراه مرة أخيرة بعيدًا عن الموسيقى والكاميرات والورود.
كان واقفًا عند الرصيف، بعينين متعبتين وقميص مجعد وباقة ورد اشتراها على عجل.
قال فور أن رآني
دانة حبيبتي.
شعرت بالنفور من الكلمة.
قلت ببرود
لا تناديني هكذا.
تغير وجهه قليلًا.
ثم قال
اللي صار أمس سوء فهم كبير.
ضحكت دون إرادة.
سوء فهم؟ أمك أعلنت قدام الناس أن بيتي صار بيت تقاعدها.
مرر يده في شعره بعصبية
أمي تكلمت بعفوية.
وأنت؟
سكت.
ثم قال
كنت ناوي أتكلم معك بعد شهر العسل.
ضحكت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الضحك موجعًا.
بعد ما تدخل أغراضك شقتي؟ وبعد ما تبدأ أمك تخطط للانتقال؟
اقترب خطوة
دانة لا تكونين قاسية.
لا تكون أنت منافق.
انخفضت عيناه للحظة.
ثم قال
اسمعي صحيح أمي كانت تفكر تسكن معنا مستقبلًا، لكن مو بهالطريقة اللي تتصورينها.
بل بنفس الطريقة اللي سمعتها أمي.
شد الورود بقوة حتى انثنت السيقان بين يديه.
وقال
أمك لعبت بعقلك.
لا أمك فضحت خطتكم بدري.
رفع صوته لأول مرة
أنتِ عندك كل شيء يا دانة!
وهنا فقط
ظهر كل شيء بوضوح.
المشكلة لم تكن الحب.
المشكلة أنني أملك.
شقة.
مالًا.
اسمًا اجتماعيًا.
وحياة أراد أن يدخلها جاهزة.
قلت بهدوء
أنا تعبت حتى أمتلك هذا كله.
قال بسرعة
وأنا أيضًا أعمل.
لكنك لم تعمل لشقتي.
سكت.
ثم اقترب أكثر وهمس
نقدر نصلح كل شيء فقط أعيدي الشقة باسمك ونعمل اتفاق يرضي الجميع.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت
يرضي
من بالضبط؟
بدأ صبره ينفد.
اختفت ملامح الرجل الهادئ الذي أحببته.
وظهر ذلك الوجه البارد الذي رأيته ليلة الزفاف.
قال
لا تهدمين زواجنا بسبب شقة.
أجبته
زواجنا انهدم يوم اعتبرتم بيتي حقًا لكم.
سكت للحظة.
ثم قال بنبرة أخافتني
بتندمين.
هززت رأسي ببطء
يمكن لكن مو لأني حافظت على بيتي.
ثم أغلقت الباب.
وبقيت مستندة عليه حتى سمعت خطواته تبتعد.
في ذلك اليوم ذهبنا إلى مكتب المحامي.
المكتب نفسه الذي تعامل معه والدي لسنوات.
راجع المحامي الأوراق والصكوك بهدوء، ثم رفع رأسه وقال
الشقة خارج أي التزام زوجي بالكامل وما يقدر أحد يطالب فيها.
أخرجت أمي نسخة الصك من حقيبتها.
ووضعتها أمامي.
وقالت
متى ما تبينها ترجع باسمك ترجع.
نظرت إليها طويلًا.
ثم سألتها
ما زعلتِ إني شكيت فيك؟
ابتسمت بحزن وقالت
كان بيزعلني أكثر لو خسرتي بيتك عشان تثبتين ثقتك برجال غلط.
تلك الجملة بقيت عالقة داخلي طويلًا.
مرت الأسابيع التالية ببطء ثقيل.
ألغيت شهر العسل.
أعدت الهدايا.
بكيت على تفاصيل سخيفة
الأغاني.
بطاقات الدعوة.
الأحرف المطرزة على المناشف.
والفستان المغلق داخل الكيس الأسود.
لكن أكثر شيء أبكاني
هو النسخة التي أحببتها من فيصل.
النسخة التي اكتشفت متأخرًا أنها لم تكن كاملة أبدًا.
بعد فترة
ذهبت إلى شقتي وحدي.
استقبلني موظف الأمن بابتسامته المعتادة.
وصعد المصعد الخاص بهدوء حتى فتح مباشرة على الصالة.
كانت الشقة فارغة.
صامتة.

يدخلها ضوء العصر الذهبي من النوافذ الواسعة.
جلست على الأرض وسط الصناديق.
لم تكن هناك أثاثات كثيرة بعد.
فقط ماكينة قهوة.
وبعض الأطباق التي اشتريتها وأنا أتخيل حياة لشخصين.
بكيت
تم نسخ الرابط