ظننت أمي تبالغ… حتى أمسكت حماتي الميكروفون أمام الجميع

لمحة نيوز

هذه الشقة لن تكون استراحة لأحد قالت أمي بهدوء ثابت لأنها لم تعد باسم دانة أصلًا.
تجمّدت القاعة بالكامل.
حتى الفرقة الموسيقية سكتت فجأة، وكأن أحدًا قطع الصوت عن المكان كله.
أم فيصل بقيت ممسكة بالكأس للحظة طويلة، تحدّق بأمي وكأنها سمعت لغة أخرى، بينما أبعد فيصل يده عن خصري بسرعة جعلت برودة أصابعه تبقى على جلدي.
قال بصدمة
وش قلتي؟
لكن أمي لم تنظر إليه.
نظرت إليّ أنا.
وفي عينيها فهمت سر الأشهر الماضية كلها.
قالت بثبات
دانة نقلت ملكية الشقة قبل الزواج رسميًا والصك أصبح باسمي بشكل قانوني كامل. يعني لا أحد بيسكن فيها، ولا أحد يقرر عنها غير صاحبة الحق.
انتشر الهمس بين الطاولات فورًا.
وشعرت لأول مرة منذ بداية الحفل أن الدم عاد يتحرك في جسدي.
اقترب فيصل من الميكروفون بسرعة
هذا الكلام غير صحيح.
ابتسمت أمي ابتسامة صغيرة وقالت
يا ليتني مضطرة أكذب في ليلة زواج بنتي قدام كل هالناس.
ثم التفت فيصل نحوي
دانة قولي إنك ما سويتي كذا.
الطريقة التي قالها بها جرحتني أكثر من كلام والدته.
لم يكن يبدو مكسورًا
بل بدا وكأنه خسر شيئًا كان يعتبره ملكه فعلًا.
همست
سويتها.
خرج صوتي ضعيفًا
لكنه خرج.
أنزلت أم فيصل كأسها ببطء، وبدأ وجهها يفقد تلك الابتسامة المصطنعة.
قالت بحدة
هذا قلة احترام. العائلة ما تتعامل مع بعضها بهالطريقة.
أعادت أمي الميكروفون نحوها وقالت
بالضبط.


ساد الصمت.
ذلك الصمت الذي يجعل الضيوف يحدقون في الأرض أو في الكيك أو في هواتفهم لأنهم لا يعرفون أين ينظرون.
نهض والدي من مكانه بهدوء، ووقف خلف أمي دون أن يتكلم، وكأنه جدار يحميها.
أما فيصل
فكان يضغط أسنانه بعصبية واضحة.
قال
دانة تعالي نتكلم برا.
نظرت إليه مباشرة وقلت
لا.
حتى أنا تفاجأت من نفسي.
قال بحدة أخف
شلون يعني لا؟
يعني ما راح أطلع معك بعد ما أعلنت أمك قدام الناس إن بيتي صار كأنه هدية عائلية.
ضحكت أم فيصل ضحكة باردة وقالت
يا بنت الناس، كان مجرد كلام عائلي واضح إنكم فهمتوه غلط.
لكن إحدى قريبات فيصل تمتمت بصوت مسموع
الصراحة الكلام كان واضح جدًا.
خرجت ضحكة صغيرة من إحدى الطاولات.
وكانت كافية حتى تلتفت أم فيصل بغضب.
اقترب فيصل مني أكثر وقال بين أسنانه
أنتِ قاعدين تسوين لنا فضيحة.
وهنا فقط
عرفت الحقيقة كاملة.
كانت عيناه تشبهان عينَي والدته.
باردتين.
حاسبتين.
كأن المشكلة ليست زوجة تتألم
بل صفقة بدأت تضيع.
قلت بهدوء
الفضيحة مو مني الفضيحة يوم خططتم تعيشون في بيتي بدون حتى ما تسألوني.
قال بسرعة
أمي لحالها.
وعندها بيت.
مو مثل بيتك.
خرجت الجملة من فمه قبل أن ينتبه.
وسمعتها القاعة كلها.
أغلقت أمي عينيها للحظة، وكأنها تأكدت أخيرًا أن حدسها كان صحيحًا.
أما أنا
فشعرت أن فستان الزفاف أصبح أثقل من قدرتي على حمله.
كل شيء بدا فجأة مزيفًا.

الثريات.
الورد الأبيض.
الوعود.
الدموع التي ظننتها حبًا.
قلت له
من متى وأنت تدري؟
نظر حوله بتوتر
مو هذا مكان الكلام.
بالعكس أمك اختارت الميكروفون. الحين دورك.
انخفضت الموسيقى تمامًا.
حتى مدير القاعة وقف قرب ركن القهوة السعودية عاجزًا عن الحركة.
ومن خلف الزجاج، كانت أبراج الرياض تلمع بهدوء بارد، وكأن المدينة كلها مليئة بأناس يوقعون عقودًا بلا مشاعر.
قال فيصل
دانة اهدي.
لا تطلب مني أهدأ.
أمي تكلمت زيادة.
لا أمك كشفت الخطة.
ولم يجب.
وكان صمته أقسى من أي اعتراف.
أمسكت أمي يدي وقالت
يلا يا بنتي نمشي.
تحرك فيصل بسرعة
ما تقدرين تمشين. إحنا تونا متزوجين.
نظرت إليه طويلًا.
زوجي.
قبل أقل من ساعتين كنت أظن أن هذا الرجل هو الأمان الذي سأبدأ معه حياتي.
أما الآن
فكان يبدو كغريب يرتدي وجه شخص أحببته.
قلت
أنا وقّعت عقد زواج مو تنازل عن حياتي.
اقتربت أم فيصل بعصبية
أمك قاعدة تعبّي راسك علينا. الزوجة المفروض تثق بزوجها.
تقدمت أمي خطوة وقالت بهدوء قاتل
والزوج المفروض ما يسكت وهو يسمع أهله يوزعون بيت زوجته.
أنتِ امرأة متدخلة.
وأنا أم شافت الطمع قبل لا تتكلمون فيه بصوت عالي.
تلك الكلمة وحدها حرّكت شيئًا داخلي.
الطمع.
هذا هو الشعور الحقيقي.
ليس حبًا.
ولا عائلة.
طمع في العنوان.
في الحي الراقي.
في المصعد الخاص.
في المجالس الواسعة.
في الصورة الاجتماعية
التي كانت تمنحهم إياها تلك الشقة.
اقترب والدي من فيصل وقال بهدوء
لا تكبر الموضوع أكثر.
ضحك فيصل بمرارة
أكثر؟ زوجتكم أهانتنا قدام الناس.
رد والدي بنبرة ثابتة
لا أمك هي اللي بدأت.
وفي تلك اللحظة اقترب منسق الحفل وسأل بخوف
نكمل الرقصة الأولى؟
كدت أضحك.
الرقصة الأولى؟
حياتي كلها كانت تتفكك بجانب قالب الكيك، وهو يسأل عن الرقصة.
قلت
ما فيه رقصة.
ثم نزعت الطرحة بهدوء.
لم أرمها.
فقط وضعتها فوق طاولة الكيك.
علقت حبات اللؤلؤ قليلًا بشعري، وشعرت بالألم.
وأحببت ذلك الألم
لأنه أكد لي أنني ما زلت واعية، وأن كل هذا ليس كابوسًا.
خفض فيصل صوته
إذا طلعتي من هالباب لا ترجعين.
نظرت إليه طويلًا وقلت
أرجع لوين؟ لبيت أمك ولا للشقة اللي كنتوا مخططين تعيشون فيها؟
ولأول مرة
لم يجد جوابًا.
أحاطتني أمي بذراعها، وبدأنا نمشي نحو المخرج.
انقسم الضيوف بصمت ليفتحوا لنا الطريق.
بعضهم كان ينظر إليّ بشفقة.
وبعضهم بفضول.
وصديقاتي كنّ يبكين على الطاولة القريبة.
وأثناء مروري بجانب طاولة الهدايا، رأيت بطاقات مكتوبًا عليها
لمنزلكما الجديد.
شعرت بفراغ مؤلم.
لن يكون هناك منزل جديد مع فيصل.
في الخارج
كان هواء الرياض باردًا، تفوح منه رائحة المطر والإسفلت المبلل.
السيارات الفاخرة ما تزال مصطفة أمام القاعة، وعامل الاصطفاف ينظر إليّ مرتبكًا، لا يعرف إن كان يفتح الباب أو يقدّم
التهنئة.
طلبت أمي السيارة.
كنت أرتجف.
سألتها
ليش ما قلتي لي من البداية؟
لم تدافع عن نفسها.
وهذا آلمني أكثر.
قالت
لو قلت لك كنتِ بتدافعين عنه.
لأنه
تم نسخ الرابط