في ليلة زفاف ابني… اكتشفتُ أن أمينة كانت ترى الحقيقة قبل الجميع
قل لهم إن والدك متعب ولا يعرف ما يفعل.
أغلق سلمان عينيه.
وعندما فتحهما، نظر إليّ.
قال بصوت مكسور لكنه واضح
أبي يعرف ما يفعل.
تجمّدت لولوة.
ماذا قلت؟
ابتلع ريقه وقال
أنا الذي لم أكن أعرف.
سقطت الجملة على المكان بهدوء، لكنها غيّرت كل شيء.
قال المستثمر الرئيسي وهو يغلق ملفه
أستاذة لولوة، أنتِ أكدتِ لنا أن هناك موافقة عائلية كاملة وأن الأمور تحت سيطرة الوريث.
تدخل عبدالعزيز
ولدينا نسخ من رسائل تطلب ترتيب تقرير طبي، ومحاولة نقل حقوق دون علم المالك. أنصحكم بالمغادرة قبل أن نبدأ بالإجراءات الرسمية.
الموثق أغلق حقيبته فورًا.
لا يمكنني توثيق أي شيء هنا.
حينها سقط القناع عن وجه لولوة.
قالت بغضب
تظنون أنكم تحبونه؟ كلكم حوله من أجل ماله. حتى ابنه لم يكن ليبقى لولا المزرعة.
تحرك بعض العمال بضيق، لكنني رفعت يدي ليهدؤوا.
مشيت نحوها ببطء وقلت
قد يكون في كلامك شيء من الحقيقة. لكنك الوحيدة التي ظنت أن الإسطبل إهانة لأنك لم تعرفي أن هذه الأرض بدأت من هناك.
نظرت إلى سلمان وقالت
امشِ معي.
لم يتحرك.
وفي تلك اللحظة فهمت لولوة أنها لم تخسر الصفقة فقط.
بل خسرت
نزعت خاتمها من يدها ووضعته بقوة على الطاولة القريبة، ثم خرجت من الساحة دون أن تلتفت، وثوبها الفاخر يلمس تراب المزرعة الذي طالما حاولت الهروب من رائحته.
لم يلحق بها أحد.
أحيانًا يكون أصعب عقاب أن يغادر الإنسان فلا يجد من يطلب منه البقاء.
بعد أن غادر المستثمرون، بقي سلمان واقفًا في وسط الساحة.
وحيدًا.
كأنه عاد صغيرًا بعد خطأ كبير.
أخذت الخاتم من الطاولة ووضعته في يده.
قلت
هذا أيضًا جزء من قراراتك.
انهار.
جلس على الأرض أمامي، ودموعه تنزل بلا مقاومة.
قال
سامحني يا يبه.
لم أمد يدي فورًا.
كان في داخلي تعب سنوات طويلة.
كم مرة سترت عليه؟
كم مرة دفعت عنه؟
كم مرة قلت لنفسي هو ابني وسيتغير؟
الأب يتعب أيضًا حتى لو لم يعترف.
قلت له
لا أعرف إن كنت أستطيع اليوم.
هز رأسه وهو يبكي.
أفهم.
قلت
لكن إن أردت أن تبدأ، فغدًا بعد الفجر تكون مع أبو ناصر عند خزانات الماء.
رفع عينيه بدهشة.
ماذا؟
كنت تريد المزرعة. ابدأ من المكان الذي لا يظهر في الصور.
ابتسم أبو ناصر ابتسامة خفيفة.
وقالت أم راشد من بعيد
والماء ما يمشي بالبدلة يا سلمان.
ضحك بعض العمال بهدوء.
أما سلمان، فبكى وابتسم في الوقت نفسه، كما كان يفعل وهو طفل عندما يسقط من فوق الحصان ويحاول أن يثبت أنه يستطيع النهوض.
في تلك الليلة، عدت إلى غرفتي.
الجناح الرئيسي.
غرفتي أنا وأمينة.
كانت المفارش التي اختارتها لولوة لا تزال على السرير. نزعتها بهدوء، وطلبت من أم راشد أن تعيد الغطاء المطرز الذي كانت أمينة تحبه.
فتحت النوافذ.
دخل الهواء محملًا برائحة النخل والورد.
على الطاولة الصغيرة بقيت صورة أمينة، تبتسم وهي تحمل سلة تمر من أول موسم ناجح لنا.
جلست أمام الصورة وقلت
شفتي يا أم سلمان؟ كنتِ أذكى منا كلنا.
لم أسمع صوتها.
لكنني شعرت بشيء دافئ يمر في صدري، كأن يدها القديمة عادت تلمس كتفي.
مع الفجر، سمعت حركة عند الساحة.
خرجت ونظرت من بعيد.
كان سلمان هناك.
بلا ساعة فاخرة.
بلا عطر.
بلا نظرة كبرياء.
يرتدي ثوبًا بسيطًا وحذاء عمل قديمًا من المستودع.
أبو ناصر أعطاه خرطوم الماء وقال
يا وريث، النخل ما يعرف الأسماء. يعرف من يسقيه.
لم يعترض سلمان.
انحنى وبدأ العمل.
راقبته من بعيد.
لم أشعر بالاطمئنان كاملًا.
لكنني شعرت ببداية صغيرة.
مثل أول خضرة تظهر بعد
مرت أيام قليلة.
لم تعد لولوة إلى المزرعة.
لكن رسائلها لم تتوقف.
مرة تهدد.
ومرة تعاتب.
ومرة تقول لسلمان إن أباه دمّر مستقبلهما.
كان سلمان يقرأ الرسائل ثم يضع الهاتف جانبًا ويكمل عمله.
وفي اليوم الخامس، جاءني بعد المغرب.
كان وجهه متعبًا، ويداه خشنتين من العمل.
قال
يبه أريد رسالة أمي.
نظرت إليه طويلًا.
لم يكن صوته مثل قبل.
لم يكن يطلبها ليهدأ.
كان يطلبها لأنه بدأ يفهم.
دخلت إلى الغرفة، وفتحت الدرج الذي لم أفتحه منذ وفاة أمينة.
كانت الرسالة هناك.
مغلف أبيض صغير، عليه خطها الهادئ
إلى سلمان عندما يعود إلى نفسه.
أمسكت المغلف، وشعرت أن أمينة تقف بيننا.
سلمته له.
لكن قبل أن يفتحه، دخل عبدالعزيز القحطاني مسرعًا من باب المجلس.
كان وجهه جادًا.
قال
أبو سلمان الموضوع لم ينتهِ.
نظرنا إليه أنا وسلمان.
أخرج ورقة من حقيبته ووضعها أمامي.
لولوة رفعت طلبًا رسميًا، وتقول إن لديها تسجيلًا يثبت أن سلمان وافق على نقل بعض الحقوق قبل الزواج.
ارتجف وجه سلمان.
سألته بهدوء
هل هذا صحيح؟
لم يجب فورًا.
نظر إلى الرسالة التي في يده، ثم إلى الورقة أمامي.
وفي تلك اللحظة عرفت أن أمينة لم تترك رسالة واحدة فقط لتكشف الحقيقة
بل تركت اختبارًا أخيرًا لسلمان، اختبارًا لم يبدأ بعد.