دفنتُ أبي عند الفجر… لكن هاتفه اتصل بي من داخل القبر وقال: “اهربي من زوجكِ فوراً!”

لمحة نيوز

أحد من قبل.
وقال
انتهت مسرحية أبيكِ.
صعد الألم حتى كتفي.
قلت
اتركني.
قال
ستأتين معي.
صرخت
لا!
شدني بقوة.
فسقطت عباءة أمي في الطين.
وفي تلك اللحظة
دوّت الطرقات الثلاث.
طق.
طق.
طق.
استدار سيف فجأة وكأن يداً خارجة من القبر لمسته.
أما الرجل ذو القبعة فتراجع بخوف
لا يا أستاذ أنا لا أتدخل في هذه الأمور.
ومن الظلام خرج أبو زيد.
رجل عجوز نحيف، يرتدي معطفاً قديماً ويحمل مصباح الحراسة.
تذكرته من الجنازة.
هو نفسه الذي كان يعدّل الورود بينما كان إخوتي يتشاجرون وسيف ينظر إلى ساعته.
قال بثبات
ارفع يدك عن السيدة.
ضحك سيف بتوتر
وأنت ماذا ستفعل؟ مجرد حارس مقبرة؟
رفع أبو زيد هاتفاً وقال
حارس مقبرة أرسل موقعكم الآن مباشرة.
شد سيف على ذراعي بغضب
أيها العجوز الأحمق.
لكن أبو زيد لم يتحرك.
وقال
الحاج جاسم دفع لي حتى أحمي ابنته لا حتى أتشاجر. وإذا أردت المشاكل فالقادمون يعرفون كيف يتعاملون معها.
وفي البعيد
ظهرت أضواء سيارات الشرطة تدخل من الباب الخلفي للمقبرة.
أفلتني سيف فجأة وقفز نحو الصندوق.
وفي تلك اللحظة لم أفكر إلا بأبي.
ليس بالرجل المدفون تحت التراب
بل بالأب الذي علّمني حمل أكياس السوق، وفحص زيت السيارة، وألا أوقع أي ورقة قبل قراءتها.
أمسكت المفتاح الصدئ وغرزته في يده.
صرخ سيف.
وسقط الصندوق على الأرض.
ركلته باتجاه أبو زيد.
أما الرجل ذو القبعة فحاول الهرب، لكن الشرطة أمسكت به قبل أن يصل إلى الممر الحجري.
حاول سيف الركض بين القبور، لكنه انزلق في الطين وسقط على ركبتيه أمام قبر أمي.
ولأول مرة رأيته بلا أقنعة.
لا عطر فاخر.
لا ساعة لامعة.
لا كلمات ناعمة.
فقط رجل متسخ وغاضب محاصر بين موتى لا يستطيع شراءهم.
وصلت المحامية تهاني السامرائي خلف الشرطة، ترتدي معطفاً أسود وملامحها جامدة.
أمسكت يدي وقالت
ليان والدكِ ترك تعليمات واضحة. هل معكِ الصندوق؟
سلّمها أبو زيد الصندوق.
صرخ سيف من الأرض
إنها
زوجتي! كل شيء من حقي!
نظرت إليه المحامية بهدوء مرعب وقالت
ولهذا تحديداً قام الحاج جاسم بحماية كل شيء قبل وفاته.
ثم أخبرتني هناك، بين القبور وتحت السماء الرمادية، أن أبي نقل أملاكه إلى صندوق أمان قانوني، وأن إخوتي فقدوا حقوقهم بسبب الاحتيال، وأن أي توقيع يُؤخذ مني بالإكراه يُعتبر باطلاً مسبقاً.
وقالت
الرسالة داخل الصندوق ليست وصية بل دليل إدانة.
ثم أضافت
وهناك بلاغ رسمي بخصوص التهديد والتزوير ومحاولة الاستيلاء على الأملاك إضافة إلى طلب فتح تحقيق في وفاة الحاج جاسم.
عندها فقط
صمت سيف.
وكان ذلك أسوأ من صراخه.
لأنني رأيت في عينيه أن هناك شيئاً أخطر.
اقتربت منه رغم محاولة المحامية منعي.
وقلت
ماذا فعلت بأبي؟
لم يجب.
رفع الشرطي سيف بعنف.
فقلت
انظر إليّ.
رفع عينيه أخيراً.
وقال
أبوكِ أخذ مني كل شيء.
صرخت
أبي أطعمك عندما كنت طفلاً!
قال
كان يعطيني الفتات.
منحك ثقته.
كان يراقبني.
لأنه عرف حقيقتك.

ارتجفت شفتاه.
ثم قال
كنتِ ستوقعين عاجلاً أم آجلاً.
وهناك
مات آخر شيء كنت أشعر به نحوه.
ليس في أربيل.
ولا بسبب يارا.
ولا لأنه ترك جنازة أبي.
بل هناك أمام قبر أمي عندما فهمت أن حبي بالنسبة له لم يكن حباً أبداً.
بل صفقة.
أخذوه عبر الممر الرئيسي للمقبرة.
وفي تلك اللحظة بدأت مقبرة وادي السلام تستيقظ مع الفجر.
كانت الطيور تغني فوق القبور القديمة وكأنها لا تعرف أن الأحياء يُدفنون أحياناً أيضاً.
سلّمني أبو زيد عباءة أمي وقال
كان والدكِ رجلاً عنيداً جداً.
احتضنته دون تفكير.
وكانت رائحته تشبه المطر والقهوة والبخور.
سألته
أنت من أرسل الرسائل؟
أومأ برأسه
من هاتفه الحقيقي. أعطاني إياه قبل أسبوع. وقال لي إذا دخل سيف إلى المقبرة ليلاً أرسل إليها فوراً. وطلب مني أيضاً أن أطرق الأنابيب القديمة ثلاث مرات حتى تعرف أنها ليست وحدها.
نظرت إلى قبر أبي.
كان التراب ما يزال مضطرباً.
فسألته
والطرقات التي خرجت
من تحت الأرض؟
خلع أبو زيد قبعته وقال
ذلك لم أفعله أنا يا ابنتي.
لم أقل شيئاً بعدها.
بعض الأسرار يكفي أنها أنقذت حياتنا.

تم نسخ الرابط