دفنتُ أبي عند الفجر… لكن هاتفه اتصل بي من داخل القبر وقال: “اهربي من زوجكِ فوراً!”
اعثروا عليها قبل أن تفتح الصندوق.
وصلني صوت سيف من بين ظلمات المقبرة وكأن الأرض نفسها لفظته نحوي.
انحنيت بسرعة خلف ضريح رخامي قديم، تعلوه ملاك مكسورة يده، وتحيط به زهور متعفنة. كان الظرف الأصفر ملتصقاً بصدري، بينما كانت المفتاح الصدئة تغرز راحة يدي.
قبل ساعات فقط كنت أظنه في أربيل.
أو بالأحرى هذا ما أرادني أن أصدّقه.
على بُعد أمتار قليلة، بين أشجار السرو، كان سيف يسير وهو يحمل مصباحاً صغيراً. لم يكن يرتدي ثياب سفر أو ملابس احتفال، بل بنطالاً داكناً، وسترة سوداء، وحذاءً ملطخاً بالطين.
وبجانبه كان يسير رجل نحيل يرتدي قبعة ويحمل مجرفة.
قال الرجل بصوت منخفض
الابنة لا تعرف شيئاً لا بد أنها تبكي الآن في بيتها.
توقف سيف أمام قبر أبي.
وقال
كان حماي رجلاً شديد الشك. إذا أخفى شيئاً فهو هنا.
وضعت طرف عباءة أمي على فمي حتى لا يسمعوا أنفاسي.
إذن قصة أربيل كانت كذبة.
الصورة، الفندق، الجلسة الفاخرة، كل شيء كان مجرد تمثيلية لإخفاء حقيقة واحدة
سيف لم يترك الجنازة رغبةً.
بل تركها خوفاً.
اهتز هاتفي مجدداً.
استخدمي المفتاح عند قبر أمك.
نظرت نحو صف القبور العائلية.
أمي، بثينة، لم تُدفن قرب أبي. لقد دُفنت قبل سنوات داخل مقبرة قديمة ملاصقة لمصلى صغير مغطى بالبلاط الأزرق. كنت أخاف تلك الجهة من مقبرة وادي السلام وأنا طفلة، لأنها كانت تبدو بلا نهاية.
وكان أبي يقول دائماً
هنا تُدفن أسرار العراق أكثر مما تُدفن الجثث.
ركضت منحنية بين القبور.
كانت المقبرة هائلة، مظلمة، مليئة بالشواهد الحجرية والقباب القديمة
وفي البعيد، كانت أضواء النجف تلمع بصمت، وكأن المدينة كلها لا تعلم أن حياتي تنهار بين الموتى.
وصلت إلى قبر أمي وأنا ألهث.
كان الطحلب يغطي أطراف الشاهدة، وصورة السيدة زينب التي وضعها أبي فوق القبر ما تزال هناك، باهتة من المطر والسنوات.
قبّلت أصابعي ولمست اسمها.
أمي سامحيني.
بدأت أبحث عن القفل.
في البداية لم أره.
ثم وجدته مخفياً خلف لوحة نحاسية صغيرة مغطاة بالتراب.
أدخلت المفتاح.
استدار بصوت جاف.
وانفتح الجزء السفلي من القبر قليلاً.
في الداخل كانت هناك علبة معدنية ملفوفة بكيس أسود، وهاتف قديم مضاء.
وفجأة ظهر تسجيل مصوّر.
امتلأت الشاشة بوجه أبي.
لم يكن قد مات بعد عندما سجّل ذلك المقطع.
كان يرتدي قميصه المربّع الذي يفضله أيام الجمعة، وعيناه غائرتين، وصوته متعباً.
قال
ابنتي إذا كنتِ تشاهدين هذا الآن، فسامحيني لأنني جعلتك تأتين ليلاً. لم أعد أستطيع الوثوق بأحد لا بإخوتكِ ولا بزوجكِ وخصوصاً سيف.
ارتجفت ساقاي.
واستمر أبي
الهاتف الذي ظننتِ أنكِ وضعته داخل الكفن لم يكن هاتفي الحقيقي. سيف استبدله قبل إغلاق النعش. أما هاتفي الحقيقي فقد أعطيته إلى أبو زيد حارس المقبرة. هو من أرسل لكِ الرسائل عندما رأى زوجكِ يدخل من الباب الخلفي.
قبضت على الهاتف بقوة وغضب.
لم يكن شبحاً.
كان أبي عنيداً حتى بعد موته يحميني بخططه القديمة.
تابع التسجيل
عرفت سيف منذ كان صغيراً. أبوه، حازم اللجمي، حاول الاستيلاء على أراضي جدكِ
اختنق صوتي بالبكاء.
وقال أبي
لهذا وافقت على زواجكما. ليس لأنني رضيت به بل لأنكِ أحببته، وكنت أريد أن أُبقي عدوي قريباً من عيني. لقد زوّجتكِ من أسوأ أعدائكِ حتى تبقي حيّة. كان ذلك جبناً مني وخطة أيضاً. وسأموت وأنا أحمل هذا الذنب.
وفجأة
سمعت خطوات تقترب.
سححح
سححح
صوت المجرفة فوق الحصى.
أخفيت الهاتف داخل جيب عباءتي، وفتحت العلبة بيدين مرتجفتين.
في الداخل كانت هناك عقود ملكية، ونسخ رسمية، وصور، وذاكرة إلكترونية، ورسالة موجهة إلى المحامية تهاني السامرائي.
وكانت هناك أيضاً أوراق تحمل توقيعات إخوتي.
شعرت بالغثيان.
إخوتي لم يكونوا يتشاجرون على سيارة أبي أو أملاكه فقط
بل كانوا قد باعوا حصصهم منذ قبل الجنازة.
وسيف كان في المنتصف.
تحت ضوء الهاتف قرأت كلمات قليلة
تنازل عن حقوق
تفويض دائم
إقرار بالدين
وفي آخر الأوراق كان اسمي موجوداً.
لكن التوقيع الوحيد الناقص كان توقيعي أنا.
ليان.
تجمّد الدم في عروقي.
كان سيف يقف خلفي مباشرة.
استدرت ببطء.
سلّط المصباح على وجهي.
ولم يعد في ملامحه أي حزن مزيف.
لم يعد هناك زوج.
ولا رجل أنيق.
بل شخص انكشف أخيراً.
قال
أعطيني الصندوق.
قلت وأنا أرتجف
ظننتك في أربيل.
ابتسم بلا دفء
يارا تعرف كيف تنشر صوراً قديمة وأنتِ تعرفين كيف تبكين. كلٌ منا يؤدي دوره.
اقترب الرجل ذو القبعة وقال
يجب أن نغادر لقد تأخرنا.
لكن سيف لم يرفع عينيه عني.
وقال
أبوكِ بقي مشكلة حتى بعد موته.
سألته مباشرة
هل قتلت أبي؟
خرج السؤال من فمي وحده.
لم تتغير ملامحه، لكن شيئاً تحرك في عينيه.
قال ببرود
كان مريضاً.
صرخت
لم أسألك هذا!
اقترب أكثر.
وقال
أعطيني الصندوق يا ليان.
ضممته إلى صدري بقوة.
لماذا؟ لتدمّره كما دمّرت زواجنا؟
قال ببرود
زواجنا كان ميتاً منذ سنوات أنتِ فقط لم تكوني تريدين رؤية ذلك.
كانت كلماته موجعة.
لكنها لم تكسرني.
ربما لأن أبي علّمني منذ طفولتي أن الإنسان لا يموت عندما يسمع الحقيقة بل عندما يصر على تقبيل الكذبة.
مد سيف يده نحوي.
وقال
ستوقعين غداً. إخوتكِ فهموا الأمر منذ وقت طويل. بيت الكاظمية، وأراضي الحلة، والمخازن في بغداد كلها تساوي الكثير حتى تبقى بيد امرأة عاطفية.
قلت
أنا لست أرملة.
فأجاب
ليس بعد.
تجمّد الهواء من حولي.
حتى الرجل ذو القبعة خفض رأسه.
حتى هو فهم أن سيف تجاوز كل الحدود.
تراجعت خطوة، فاصطدمت بقبر أمي.
ارتطم الصندوق بالحجر.
ومن داخله صدر صوت معدني.
وفجأة اشتغل الهاتف وحده من جديد.
وخرج صوت أبي مرتفعاً
سيف إذا كنت تسمع هذا الآن فقد خسرت.
شحُب وجه سيف فجأة.
ولثانية واحدة بدا كالمراهق الموجود في الصورة القديمة خائفاً وضعيفاً.
صرخ
أطفئيه!
لكن التسجيل استمر.
أعرف ديونك. أعرف يارا. أعرف المزوّرين الذين ساعدوك. كل شيء أصبح عند المحامية تهاني السامرائي والشرطة. وهذا الصندوق ليس النسخة الوحيدة. إذا لمست ابنتي فلن ترث المال، بل السجن.
صرخ سيف بغضب وانتزع الهاتف من يدي.
ورماه بقوة على الشاهدة
تحطم الزجاج.
لكن صوت أبي استمر متقطعاً
لا تثقي به يا ابنتي حتى لو بكى.
وفجأة أمسك سيف بذراعي بعنف.
كما لم يفعل أمام