قالوا إن ابنتي ماتت في كوريا… لكنني سمعتُ صوتها يناديني من خلف الباب
يبدأ عندما تدفع أحدهم.
بل يبدأ عندما لا تمد يدك لتنقذه.
سمعت ليان إفادته بعد أيام، فأغمضت عينيها.
قالت لي
لا أريد أن أكرهه.
قلت
لا يجب أن تقرري اليوم.
قالت
لكنني لا أريد العودة.
قلت
هذا يمكنك أن تقرريه اليوم.
تم توقيف السيدة كيم للتحقيق في صباح ثلجي.
لم يكن هناك مشهد كبير.
فقط شرطيان.
وامرأة اعتادت أن تأمر الجميع، لكنها للمرة الأولى لا تستطيع أن تأمر أحدًا.
وثلاثة أطفال ينظرون من الممر.
أمسكت سارة يد يزن.
واختبأ آدم خلفي.
حاول جاي هون أن يقترب من أمه، لكن سارة أوقفته.
قالت
أبي
فتوقف.
وللمرة الأولى اختار أن يبقى مع أطفاله.
لم أسامحه.
لكنني رأيته.
كانت الأسابيع التالية بطيئة.
تعلمت ليان من جديد أن تجلس.
أن تأكل.
أن تمشط شعرها.
كنت أعد لها الشوربة بما أجده في الأسواق الكورية، وأنا أشتاق إلى بهارات بلادنا، وإلى قدر أعرف كيف أطبخ فيه كما أحب.
في أحد أيام الأحد، أخذتني ناديا إلى سوق غوانغجانغ لنشتري الطعام ونتنفس قليلًا.
كان البخار يملأ المكان.
أكشاك كثيرة.
نساء يقدمن الحساء الساخن.
وفطائر كورية تقلى في الزيت.
كان الناس يأكلون بالقبعات والقفازات، كأن البرد نفسه جائع.
اشتريت برتقالًا للأطفال.
وقماشًا أحمر لأحيك شالًا آخر.
وعندما عدت إلى المستشفى، شمّت ليان
قالت
رائحته غريبة.
قلت
كل شيء هنا رائحته غريبة.
قالت بهدوء
أنتِ رائحتك بيت.
بكيت كطفلة.
كانت أول مرة يتذوق فيها الأطفال المنسف في شقة صغيرة قرب نهر الهان، بعد أشهر من ذلك اليوم.
لم نعد إلى شقة الطابق السابع عشر.
ذلك المكان بقي مغلقًا في ذاكرتي برائحة المعقمات، والصورة السوداء، والكذب.
كان المكان الجديد بسيطًا.
طاولة صغيرة.
نوافذ تطل على الماء.
وتدفئة لم أفهمها جيدًا أبدًا.
أعددت المنسف بما توفر لدي من مكونات.
لم يكن اللبن كما أعرفه.
ولم يكن الأرز كما أريده.
وتفتتت بعض الحلوى في الحقيبة.
لكن عندما امتلأ المطبخ بالرائحة، وضعت ليان يدها على صدرها.
أمي
تذوقت سارة أولًا.
امتلأت عيناها بالدموع.
قالت
أمي كانت تقول طعام العيد.
احتضنتها.
نعم طعام العيد.
طلب آدم المزيد.
وقال يزن إنه حار قليلًا، لكنه واصل الأكل.
في تلك الليلة، لم يدعُ الأطفال أمام أي صورة.
في تلك الليلة جلست ابنتي على الطاولة، وأطفالها الأحياء حولها.
لم يكن التعافي معجزة.
كان عملًا طويلًا.
كانت هناك كوابيس.
وأوراق.
ومترجمون.
ومحامون.
ومواعيد طبية.
وتجديد جوازات.
وأسئلة عن الحضانة.
ساعدتنا السفارة على ترتيب الوثائق، وعلى ألا نضيع داخل لغة كانت أحيانًا تبدو مثل جدار.
حصل جاي هون على
وتحدثت ليان معه مرة واحدة فقط، بحضور ناديا والمترجم.
قالت له
أنا لا أكرهك لكن حياتي لم تعد تتسع لخوفك.
بكى هو.
أما هي فلم تبكِ.
وأنا أيضًا لم أبكِ.
في ديسمبر، بعد عام كامل من وصولي إلى سيول، لم تصل حوالة مالية.
بل جاءت مكالمة.
أجرينا اتصال فيديو مع جاراتي في عمّان، اللواتي كن يقلن سابقًا إن ليان بنت أصل لأنها ترسل المال.
رأين ابنتي نحيفة لكنها حيّة، والشال الأحمر على كتفيها، وثلاثة أطفال كوريين يصرخون بالعربية
عيد سعيد يا جدتي!
بكت أم خالد.
وبكيت أنا أيضًا.
بعدها خرجنا للمشي قرب قصر غيونغبوكغونغ.
كان هناك سياح يرتدون الملابس الكورية التقليدية، وأضواء شتوية، وجبال داكنة خلف المدينة.
كانت ليان تمشي ببطء، مستندة إلى ذراعي.
وكان الأطفال يركضون أمامنا، يخلطون الكورية بالعربية، كأن العالم أخيرًا سمح لهم أن يحملوا جذرين في قلب واحد.
سألتني ليان
هل ستعودين إلى عمّان؟
نظرت إلى السماء البيضاء.
فكرت في حينا.
وفي شوارع عمّان في الشتاء.
وفي رائحة القهوة.
وفي صوت الباعة.
وفي سريري الفارغ.
ثم نظرت إلى أحفادي.
قلت
عندما تستطيعين العودة معي أو عندما لا تعودين بحاجة إليّ هنا.
ضغطت على يدي.
قالت
كنت بحاجة إليكِ طوال
قلت بصوت مكسور
وصلت متأخرة.
قالت
وصلتِ وأنا ما زلت أستطيع أن أناديكِ.
كان ذلك غفرانها.
لم يكن كاملًا.
ولم يكن مثل غفران الروايات.
لكنه كان كافيًا كي أتنفس.
آخر مرة رأيت فيها الصورة ذات الشريط الأسود كانت داخل ملف الأدلة.
سألتني ناديا إن كنت أريد الاحتفاظ بنسخة.
قلت
لا.
لم أكن بحاجة إلى صورة لابنتي كأنها ميتة.
كان لدي ابنتي حيّة.
توبخ آدم لأنه لطخ كمّه بالطعام.
وتعلّم سارة أن تقول بالعربية لا تمزحي معي.
وتبكي عندما يطلب منها يزن أن تأخذه يومًا إلى عمّان ليأكل الكنافة.
واجهت السيدة كيم التهم.
وخسر جاي هون الشركة، والبيت، وحقه في أن يقرر مصير الجميع.
ربما يأتي يوم يقرر فيه أطفاله أي مكان سيمنحونه في حياتهم.
هذا لا يخصني.
ما يخصني شيء آخر.
أن أمشط شعر ليان الجديد.
أن أجلس بجوارها عندما تستيقظ خائفة.
أن أعلّم أحفادي أن الجدات العربيات لا يقفن أمام الأشرطة السوداء إذا استطعن عبور العالم وفتح الأبواب.
وصلتُ إلى سيول ومعي معمول، وحلوى، وشال أحمر.
ظننت أنني سأحتضن ابنة بعيدة.
فوجدت قبرًا مزيفًا في صالة أنيقة.
ووجدت ثلاثة أطفال يدعون لأم حيّة.
ووجدت رجلًا وعد أن يحميها، لكنه لم يعرف كيف يسندها.
لكنني وجدت أيضًا صوتًا خلف باب مغلق.
ضعيفًا.
مبحوحًا.
وصوتي أنا كله كان يعيش داخله.
أمي.
وطالما أنا حيّة فلن يكون هناك باب مغلق، ولا مال، ولا خوف، أقوى من كلمة واحدة قالتها ابنتي وهي ترتجف بين يدي
أمي.