قالوا إن ابنتي ماتت في كوريا… لكنني سمعتُ صوتها يناديني من خلف الباب
ثم أمسكت ليان بذراعي بقوة مرتجفة وهمست
لا تسمحي لهم أن يُنوّموني مرة أخرى.
هذا ما قالته ابنتي.
لم تقل اشتقتُ إليكِ.
ولم تقل ماذا تفعلين هنا؟.
ولم تقل ساعديني.
قالت تلك الجملة بصوتٍ بدا كأنه خارج من تحت الأرض.
شعرتُ بشيءٍ عنيف يصعد في صدري. وقفتُ فجأة، ووضعتُ نفسي بين السرير وبين المرأة التي تحمل الصينية. رفعت المرأة الحقنة وكأنها ما زالت تملك حق الاقتراب من جسد ابنتي.
قلتُ بصرامة
لن تلمسيها.
لم أكن أعرف إن كانت تفهم كلامي.
لكنها فهمت وجهي.
تمتم جاي هون بكلمات كورية مرتبكة، والمرأة ردّت عليه بغضب بارد، من النوع الذي لا يحتاج إلى صراخ حتى يأمر.
كان الأطفال الثلاثة ما زالوا عند الباب، يبكون بصمت، وينظرون إلى المرأة المستلقية على السرير كما لو أنهم يرون شخصًا عاد من الموت بعد أن مُنعوا من ذكر اسمه.
تقدمت الطفلة الكبرى خطوة.
همست
أمي
حرّكت ليان أصابعها بالكاد.
سارة
خرج الاسم مكسورًا، لكنه كان كافيًا.
سقطت الطفلة على ركبتيها بجانب السرير، وبدأت تبكي فوق الغطاء. اقترب الطفلان الآخران ببطء. لمس أحدهما قدم ليان وكأنه يخاف أن تختفي إن لمسها بقوة.
نظرتُ إلى جاي هون.
اتصل بالإسعاف.
هزّ رأسه رافضًا.
لا مستشفى أرجوكِ.
ماذا يعني لا مستشفى؟
قال بتردد
أمي هي تقول
صرخت فيه
أمك لا تقرر إن كانت ابنتي ستعيش أو تموت!
اندفعت نحو الصينية، وخطفت الحقنة من يد المرأة. سقطت على الأرض بصوت صغير، سخيف، لا يشبه حجم ما كان ينهار أمامي.
حاولت المرأة دفعي، لكنني لم أعد امرأة متعبة قطعت نصف العالم وفي حقيبتها معمول وشال أحمر.
كنت أمًا تقف أمام سرير ابنتها الحيّة.
اتصلت برقم الطوارئ الذي رأيته في المطار 119.
كانت أصابعي ترتجف حتى أخطأت في الاتصال أول مرة. وفي المرة الثانية أجابني شخص بالكورية، فبدأت أتكلم بالعربية، ثم بإنجليزية مكسّرة، ثم بالبكاء.
My daughter sick locked please ambulance.
كان جاي هون ينظر إليّ وكأنني فتحت بابًا ظلّ هو يتظاهر لسنوات بأنه غير موجود.
وصل المسعفون بسرعة.
دخلوا بحقائبهم وأقنعتهم وهدوئهم الذي أغضبني. كنت أريد أن يعرف العالم كله ما حدث لابنتي. أن تعرف البناية بأكملها أن هناك امرأة حيّة خلف صورة معلّقة بشريط أسود.
فحصوا ليان.
الضغط.
النبض.
العينان.
الذراعان.
الآثار على جلدها.
أشار أحدهم إلى مواضع الحقن القديمة في جسدها، وقال شيئًا لزميله. حاولت المرأة الكورية أن تتدخل، لكن سارة صرخت بجملة قوية جعلت الجميع يتجمدون.
ترجم جاي هون بصوت مكسور
تقول إن أمها ليست ميتة وإنها كانت تسمعها تبكي في الليل.
اختنق الهواء في صدري.
وضعوا ليان على الحمالة.
بحثت عني بعينيها.
أمي أطفالي
قلت وأنا أمسك يدها
هنا يا ابنتي هم هنا.
وعندما حاول جاي هون الصعود إلى سيارة الإسعاف، وضعت يدي على صدره ومنعته.
أنت لا.
قال
أنا زوجها.
قلت ببرود
وأنا التي جاءت حين استطاعت أن تكتب سامحيني يا أمي.
لم يصرّ.
كان المستشفى مدينة بيضاء داخل مدينة بيضاء.
أجهزة.
شاشات.
ممرضات يتحركن بدقة جعلتني أشعر بأنني غريبة وعاجزة.
وفي الخارج، كانت سيول ما تزال باردة ومنظمة، وأضواء الشتاء تملأ شوارعها، بينما لا أحد يعرف أنني كنت أستعيد ابنتي من حياة تشبه القبر.
تحدثت معي طبيبة شابة بالإنجليزية.
قالت إن ليان ضعيفة جدًا.
وإن هناك احتمالًا لاستخدام مهدئات لفترة طويلة.
وسوء تغذية.
وخطر التهاب.
وإنهم يحتاجون إلى تقرير شرطة.
لم أفهم كل شيء.
لكنني فهمت كلمة الشرطة.
أومأت بصعوبة وقلت
الشرطة السفارة الأردنية أرجوكم.
بعد ساعة وصلت ناديا، موظفة من السفارة الأردنية.
تحدثت إليّ بالعربية، وكدت أتهاوى بين يديها من شدة الارتياح.
قالت
أمينة، نحن هنا الآن.
تلك الجملة سندتني.
لأنك عندما تكون في بلد لا تفهم
أخذت ناديا الملاحظات.
اتصلت.
ترجمت.
طلبت الوثائق.
وعندما وصل جاي هون مع الأطفال وأمه خلفه، وقفت ناديا بينهما وبين باب الغرفة كأنها جدار.
قالت بحزم
لا أحد يدخل دون إذن طبي.
تكلمت السيدة كيم بكرامة مسمومة.
استمعت ناديا إلى الترجمة، ثم شدّت على فكها وقالت لي
تقول إن ابنتك مريضة نفسيًا، وإنك لا تفهمين ثقافة هذه العائلة.
ضحكت.
ضحكة موجوعة.
وقلت
قولي لها إن في ثقافتنا أيضًا وحوشًا يختبئون خلف الستائر النظيفة.
لم تترجم ناديا الجملة كما هي.
لكن السيدة كيم فهمت النبرة.
في اليوم التالي، استيقظت ليان بما يكفي لتتحدث.
بللتُ شفتيها بقطعة شاش، كما كنت أفعل حين كانت صغيرة وتمرض في بيتنا بعمّان. ثم وضعت الشال الأحمر على صدرها.
قلت لها
أحضرته لكِ حتى لا تنسي دفء بيتك.
انزلقت دمعة على جانب وجهها.
قالت
ظننت أنكِ لن تأتي أبدًا.
قلت
وأنا ظننت أنكِ لا تريدين رؤيتي.
أغمضت عينيها.
أخذوا هاتفي كانوا يقولون لي إنك مريضة، وإن سماع صوتي يرهقك. وبعدها قالوا إنك تقبلين المال ولا تريدين المشاكل.
احترق حلقي.
مستحيل.
قالت بصعوبة
كنت أريد أن آتي إلى عمّان مع الأطفال زيارة فقط. أردت أن يأكلوا من طبخك، وأن يروا بيتك، وأن يسمعوا صوت الأذان من الشرفة.
أمسكت يدها.
سيرون كل ذلك.
تنفست بصعوبة.
ثم بدأت تحكي لي على أجزاء.
في البداية كان كل شيء جميلًا.
شقة تطل على نهر الهان.
دروس لتعلم الكورية.
صور أمام قصر غيونغبوكغونغ وهي ترتدي ثوبًا كوريًا أزرق اشتراه لها جاي هون.
وجولات في سوق غوانغجانغ، حيث جرّبت أطعمة كورية ساخنة وحرقت لسانها لأنها لم تنتظر حتى تبرد.
ثم تحوّل بيت حماتها إلى قانون.
كانت السيدة كيم تقرر كل شيء.
ماذا تأكل.
بمن تتصل.
متى تخرج.
كيف تربي سارة.
وعندما
وعندما وُلد آدم، لم يعودوا يتركونها وحدها تقريبًا.
أصبحت الحسابات البنكية في يد جاي هون لحمايتها.
وكانت الحوالات إلى عمّان دليلهم الدائم على أن كل شيء بخير.
همستُ
والرسالة؟ سامحيني يا أمي؟
فتحت ليان عينيها.
سارة ساعدتني.
كانت الطفلة جالسة على كرسي قرب الجدار، تعانق حقيبتها الصغيرة. قالت لي ناديا إن سارة تفهم العربية أكثر مما تُظهر. تعلمتها من فيديوهات قديمة لليان، ومن أغنيات، ووصفات، وتسجيلات احتفظت بها ابنتي قبل أن يأخذوا هاتفها.
قالت سارة بحذر
جدتي
اخترقتني الكلمة.
احتضنتها.
لم تهتم أنني كنت أشم رائحة مستشفى وخوف وسفر.
همست
أمي كانت تقول معمول.
ضحكت وأنا أبكي.
نعم يا روحي معمول.
حققت الشرطة مع الجميع.
حضرت السيدة كيم بمعطف أنيق ووجه امرأة تتظاهر بالبراءة. قالت إن ليان ضعيفة، وإنها تحتاج إلى دواء، وإنها كانت فقط تعتني بأحفادها. وقالت إنني جئت من الأردن لأسرق أطفال عائلة كيم.
طلبت ناديا ترجمة كل شيء.
كل كلمة.
قدمت الطبيبة التقارير.
تخدير زائد.
سوء تغذية.
حقن متكررة.
جواز سفر محتجز.
أوراق موقعة بخط لا يشبه خط ليان.
تحولت الخزنة المعدنية في الشقة إلى دليل.
كان بداخلها جواز سفر ليان الأردني المنتهي، وشهادات ميلاد الأطفال، وكشوف حسابات، وأوراق تزعم أن ليان وافقت على تحويلات مالية وعلاجات وتنازلت عن الزيارات.
ابنتي التي بالكاد كانت تستطيع الإمساك بملعقة، كانت بحسب أوراقهم قد وقعت على التنازل عن حياتها كلها.
في اليوم الثالث، أدلى جاي هون بإفادته.
لم يكن شجاعًا.
كان متأخرًا.
لكنه تكلم.
قال إن أمه كانت تدير الأطباء والحسابات والموظفين.
وقال إنه سمح بعزل ليان لأنه كان خائفًا من خسارة شركة العائلة، والأطفال، واسم العائلة.
وقال إنه بعد سقوط ليان على الدرج، أمرته السيدة
سألت
هل دفعوها؟
ترجمت ناديا السؤال.
بكى جاي هون.
ثم قال
لم أمسك بها.
كانت تلك الجملة أسوأ من الاعتراف.
لأن الأذى أحيانًا لا