في اليوم الذي طُردتُ فيه من عملي… تركتُ خلفي عقدًا بقيمة 800 مليون ريال
المحتويات
فورًا.
استحممت.
ارتديت جينزًا، وبلوزة بيضاء، وحذاءً مريحًا.
لا كعب عالٍ.
لن أرتدي الكعب مرة أخرى لأركض خلف مدير لا يستطيع حتى أن يحافظ على عقد دوني.
في التاسعة صباحًا وصلت إلى مركز الرياض الدولي للمؤتمرات.
كان المبنى يرتفع بزجاجه اللامع بين حركة رجال الأعمال والموظفين، وكأن العالم كله يُدار من المصاعد وقاعات الاجتماعات. مكاتب، بنوك، مطاعم، قاعات تفاوض، وممرات تمتلئ بأشخاص يظنون أن الصفقات تُحسم بالمظاهر فقط.
أما بالنسبة لي في ذلك الصباح، فلم يكن المكان إلا نقطة أستعيد فيها اسمي.
استقبلني الأستاذ فهد في قاعة اجتماعات بالطابق الثاني عشر.
كان رجلًا بشعر فضي، بدلة زرقاء، ونظرة متعبة من التعامل مع مورّدين لا يقولون الحقيقة.
قال
أستاذة مريم، شكرًا لحضورك.
أجبته
حضرت بصفتي الشخصية. لم أعد أمثل شركتي السابقة.
قال بهدوء
أعلم.
كان العرض مطبوعًا على الطاولة.
عرضي أنا.
بهيكله، وجداوله، وملاحظاتي، وسيناريوهاته.
لكنهم حذفوا اسمي من الغلاف.
ووضعوا بدلًا منه
الإدارة الاستراتيجية رامي العجلان. التنسيق الفني دانية الريّس.
شعرت بالغضب.
ليس غضبًا مشتعلًا.
بل باردًا.
قال الأستاذ فهد
هذا ما قدموه لنا أمس. حين سألت عن التعديلات المفترضة في الملحق الخامس، لم يعرف أحد كيف يجيب. الآنسة دانية قرأت ورقة خاطئة. ومديرك السابق أكد أنكِ في اجتماع آخر، لكن أحد أفراد
قلت
إذن كان قراركم بإلغاء العقد صحيحًا.
قال
لم ألغِه بدافع الغضب. ألغيتُه لأن المورّد الذي يفصل صاحبة المشروع قبل التوقيع لا يفهم معنى استمرارية العمل.
بقيت صامتة.
دفع ملفًا نحوي وقال
لا أستطيع منحكِ عقدًا بهذه الضخامة بصفتكِ الفردية من يوم إلى آخر. هناك أنظمة وإجراءات. لكن يمكنني التعاقد معكِ كمستشارة خارجية لتدقيق العرض، وتوثيق النقل الفني، وتقييم إمكانية إعادة فتح المسار مع جهة أخرى.
سألته
معي أنا؟
قال
معكِ أنتِ، إذا رغبتِ.
كان مبلغ الاستشارة في الصفحة الأولى.
لم يكن 800 مليون.
لكنه كان أكثر مما أتقاضاه في سنتين كاملتين.
تنفست ببطء وقلت
لدي شرط.
رفع حاجبيه وقال
تفضلي.
قلت
كل التواصل سيكون كتابيًا. وإذا حاولت شركتي السابقة استخدام مواد من تأليفي دون الاعتراف بذلك، أريد أن يُثبت هذا في ملف التقييم.
ابتسم الأستاذ فهد ابتسامة خفيفة وقال
لهذا أردتكِ على الطاولة.
وقّعت في العاشرة وست وأربعين دقيقة.
لم أبكِ.
لكن عندما خرجت إلى الممر، توقفت أمام النافذة.
في الأسفل، كانت المدينة تتحرك سيارات، موظفون، باعة قهوة، أناس يعبرون الطرق، وحياة لا تتوقف. الرياض لا تنتبه حين تتوقف امرأة عن الخوف، لكنك تشعرين للحظة أن ضجيجها كله تغيّر.
في الحادية عشرة والنصف، اتصل بي رامي.
أجبت.
سأل
أين أنتِ؟
قلت
في
ساد صمت قاسٍ.
مع الأستاذ فهد؟
نعم.
قال بسرعة
مريم، اسمعيني. لا توقّعي معه شيئًا.
قلت
تأخرت.
سمعته يضرب شيئًا بيده.
هذا المشروع ملك الشركة.
إذن كان يجب على الشركة أن تحمي من كان يحمله على كتفيه.
سأقاضيكِ.
قف في الطابور. أنا أولًا سأذهب إلى التسوية العمالية.
خفض رامي صوته
يمكننا أن ندفع لكِ.
قلت
كان يجب أن تفكروا في ذلك قبل أن تستبدلوني بمتدربة وتقيموا احتفالًا بلافتة مكتوبة خطأ.
قال
دانية ليست مسؤولة.
قلت
دانية ارتدت قلادتي، ثم سألت لماذا تخنقها.
أغلقت الخط.
في ذلك المساء، دخلت الشركة في حالة ذعر.
عرفت ذلك من المجموعة الصغيرة التي لم أعد أكتم إشعاراتها.
أولًا أزاحوا دانية من قيادة المشروع، لكنهم لم يفصلوها. ثم أرسلت نوال تعميمًا داخليًا تقول فيه إن هناك تعديلات في الاستراتيجية التجارية. بعد ذلك تسرّب أن العميل طلب تدقيقًا في ملكية المحتوى والاستمرارية الفنية.
عند الخامسة، ظهر رامي في بنايتي مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن مع نوال.
كان وحده.
اتصل بي حارس المبنى وقال
أستاذة مريم، هناك رجل يصر على مقابلتك.
نزلت لأنني أردت أن أراه من ارتفاعي الجديد.
كان رامي في بهو المبنى، أشعث الشعر، وقميصه ملتصق بعنقه من العرق.
قال
أحتاج أن أتحدث معكِ.
لقد تحدثنا.
قال بصوت مكسور
أوقفوني عن العمل.
لم أقل شيئًا.
تابع
الإدارة تظن أنني
سألته
وهل هذا غير صحيح؟
امتلأت عيناه بالدموع.
لم أتأثر.
هناك رجال لا يبكون إلا عندما ترتد إليهم الضربة.
قال
مريم، كنت تحت ضغط. الإدارة كانت تريد تخفيضات. ودانية كانت أقل تكلفة. ظننت أن ملفاتكِ تكفي.
قلت
هذه أكثر جملة صادقة قلتها في حياتك.
قال بسرعة
أطلب منكِ أن تعودي. سأستقيل إذا لزم الأمر. لكن عودي. إذا أعاد العميل تفعيل العقد، ستنجو الشركة.
رأيته يتنفس بسرعة.
وهناك حدثت اللحظة التي تصلح أن تكون عنوان القصة.
مديري، الرجل الذي جعلني أعمل أيام العطل دون أجر إضافي، والذي كان يعرض أفكاري على أنها رؤية إدارية، والذي كان يقول لي نحن عائلة حين يريد مني أن أتنازل عن مكافأتي، وقف أمامي وهو ينحني تحت ثقل طموحه.
ثم فعل ما لم أتخيله يومًا.
ركع.
في بهو المبنى.
أمام الحارس، وجارة من الطابق الثالث، ومندوب توصيل يحمل حقيبة طلبات.
قال
أرجوكِ يا مريم. أتوسل إليكِ. عودي.
لم أشعر بالانتصار.
شعرت بالوضوح.
قلت
انهض يا رامي. أنت تثير شفقتي، لا احترامي.
رفع وجهه نحوي وقال
قولي ماذا تريدين؟
قلت
قلت لك أمس. أريد أن أنام.
ثم أضفت
والآن أريد أكثر. أريد تعويضي كاملًا. وأريد خطاب اعتذار واعتراف بملكيتي الفنية. وأريد تصحيح السجل الداخلي للمشروع. وأريد أن تكتب نوال رسميًا من الذي أمر بفصلي. وأريد أن تتوقف دانية عن القول إن عملي كان
وقف رامي ببطء.
قال
هذا لا يعتمد عليّ.
قلت
بالضبط. بدأت تفهم أخيرًا.
استدرت لأصعد.
قال
العميل سيستغلكِ.
توقفت دون أن ألتفت.
ربما. لكن
متابعة القراءة