تركت ابنها المصاب بالتوحّد أحد عشر عامًا… ثم عادت فجأة عندما أصبح مليونيرًا

لمحة نيوز

ياسر، فتابع مع الأستاذ سامر نحو النافذة حيث كان الضجيج أقل.
سألتني كارما بصوت منخفض
هل تعتقدين حقًا أنني لن أستطيع إصلاح هذا أبدًا؟
نظرت إليها.
رأيت ابنتي.
ورأيت الأم التي غابت.
ورأيت المرأة التي حاولت أن تأخذ حق طفل لم تربيه.
قلت
لا أعرف يا كارما.
بكت.
هذه المرة بصوت أخفض.
ماذا أفعل؟
قلت
ابدئي دون أن تطلبي شيئًا.
لم تجب.
مشيت نحو ياسر.
كان ينظر إلى الشارع.
قال
هناك ضجيج كثير.
قلت
نعم يا بني.
قال
أريد أن نذهب إلى مكان هادئ.
ذهبنا.
جلسنا في حديقة هادئة تحت ضوء المساء الذهبي.
بدأ ياسر يعدّ الأشجار بصوت منخفض.
تركته يفعل ذلك.
فالعدّ كان يساعده على ترتيب العالم.
وعندما انتهى، قال
الأشجار كثيرة. شجرة واحدة لا تكفي لتصنع ظلًا كاملًا.
قلت
صحيح.
نظر إليّ قليلًا.
لم يكن يجب أن تحملي كل شيء وحدك.
شعرت أن الدموع ستعود.
قلت
لكنني كنت أملكك.
قال
كنت طفلًا.
لم تكن الجملة عتابًا.
كانت حقيقة.
وتلك الحقيقة علّمتني شيئًا آخر.
لم يكن كافيًا أن أنقذه من عودة كارما.
كان يجب أن أبني شيئًا كي لا تصل جدات أخريات متأخرات
إلى الأوراق، ومتأخرات إلى المحكمة، ومتأخرات إلى الحماية.
بعد أشهر، بلغ ياسر السابعة عشرة.
لم يرد حفلة كبيرة.
أراد فقط أرزًا أبيض، وكعكة فانيلا بلا حشوة، وموسيقى منخفضة جدًا.
طلب أن أدعو الأستاذ سامر، والمستشارة ريم، وشابين يعملان معه في التطبيق.
وقبل تقطيع الكعكة، فتح جهازه اللوحي.
وقال
لدي مشروع جديد.
ظهر على الشاشة اسم
شبكة أمينة.
انقطع نفسي.
سألته
ما هذا؟
قال
منصة لمساعدة مقدمي الرعاية. الجدات. الأعمام. الجيران. كل من يربي طفلًا دون أوراق قانونية. تخبرهم ما الوثائق التي يجب جمعها، وأين يطلبون المساعدة، وكيف يحفظون الأدلة، وكيف يشرحون احتياجات الأطفال المصابين بالتوحّد في المدرسة والمحكمة.
لم يتكلم أحد.
وبكيت مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن البكاء من الخوف.
سألته
لماذا سميتها أمينة؟
رتّب الملعقة بجانب الطبق ثم قال
لأن أمي حين تركتني، لم تكوني تعرفين ماذا تفعلين. لكنك بقيتِ. أريد أن يكون البقاء أسهل على الآخرين.
غطيت وجهي بيدي.
فوضع إصبعين فوق معصمي.
عناقنا الخاص.
وقال
جدتي.
كان قد مر وقت طويل
منذ ناداني هكذا.
ثم أضاف
يمكنك الآن أن تتوقفي عن غسل ملابس الناس لكن لا تتوقفي عن صنع المعجنات.
ضحكت وأنا أبكي.
هذا لن يحدث أبدًا يا بني.
وفي يوم أحد، بعد أشهر، خرجنا إلى وسط المدينة.
اشترينا دمية صغيرة لنضعها في مكتب المؤسسة الجديد.
اختار ياسر دمية بشرائط بنفسجية لأنه قال إن هذا اللون هادئ الحرارة.
مررنا بحديقة عامة، ثم بمحل مثلجات.
هو لم يرد المثلجات.
أما أنا فاشتريت واحدة، كما كنت أفعل عندما كنت شابة وأظن أن البنات دائمًا يعدن بدافع الحب.
أرسلت كارما رسائل.
قرأنا بعضها.
ولم نقرأ بعضها الآخر.
في إحدى الرسائل طلبت السماح دون أن تذكر المال.
وضعها ياسر في مجلد سماه
معلّق.
لم يقبلها.
ولم يمزقها.
قال
ربما يومًا ما.
سألته
هل تريد رؤيتها؟
فكر طويلًا.
ثم قال
ليس الآن.
وكان ذلك كافيًا.
لأنه للمرة الأولى لم يجبره أحد على شيء.
بقي البيت بسيطًا.
ضوء خافت في غرفته.
حديقة صغيرة.
مطبخ واسع.
ومعجنات في أيام الجمعة، ليس بدافع الحاجة، بل بدافع الفخر.
وأحيانًا كنت أستيقظ خائفة من سماع سيارة سوداء تقف أمام المنزل.

لكنها لم تكن هناك.
ما كان هناك فعلًا هو ياسر على طاولته، يصنع شيئًا يجعل العالم أخف على أطفال يشبهونه.
وفي إحدى الأمسيات، بينما كان الغروب ينسدل فوق الأشجار، رأيته يعمل وسماعاته على أذنيه.
كانت الشاشة تضيء وجهه الجاد.
لم يعد الطفل المختبئ تحت الطاولة.
ولم يكن رقم الملايين الذي أرادت كارما المطالبة به.
كان ياسر.
حفيدي.
بيتي.
وسببي.
خلع إحدى السماعتين ونظر إليّ.
أمينة.
قلت
نعم يا بني؟
سألني
هل فعلت الصواب عندما تركتها تتكلم؟
فكرت في كارما وهي تدخل مع المحامي.
وفي خوفي.
وفي المجلد.
وفي الحقيقة وهي تخرج واحدة تلو الأخرى، ساخنة ولا يمكن إيقافها.
قلت له
نعم. لأنك عندما تركتها تتكلم، سمع الجميع ما الذي جاءت تبحث عنه حقًا.
أومأ برأسه.
ثم عاد إلى الشاشة.
ودخلت أنا إلى المطبخ ووضعت الأرز على النار.
مفصولًا عن الفاصولياء.
كما يحب دائمًا.
وبينما كان البخار يتصاعد، فهمت أن كارما لم تعد فقط عندما أصبح ياسر يملك ثلاثة ملايين ومئتي ألف دولار.
لقد عادت عندما أصبح يساوي أكثر من ذلك بكثير.
عندما أصبح يملك ذاكرة.

وصوتًا.
وأدلة.
وجدة تعلّمت، ولو متأخرة، أن الحب لا يكفي أن يُقال فقط
بل يجب أن يُوثّق.
ويُحمى.
ويُدافَع عنه
والباب مفتوح، والحقيقة مضاءة.

تم نسخ الرابط