تركت ابنها المصاب بالتوحّد أحد عشر عامًا… ثم عادت فجأة عندما أصبح مليونيرًا
أدلة ضد أمي.
اختفت ابتسامة كارما فورًا.
أما أنا، فشعرت بأن يديّ تجمدتا فوق المئزر، لأن ياسر لم يكن يرتجل أبدًا. كان حفيدي قد يستغرق خمس دقائق ليجيب عن سؤال بسيط، لكن عندما يقرر شيئًا، يكون قد فكّر فيه من جميع الزوايا الممكنة.
فُتح المجلد.
وظهرت أول صورة.
كان ياسر في الخامسة من عمره، نائمًا فوق أريكتي القديمة، وحقيبته الزرقاء قرب قدميه، والورقة مثبتة على صدره.
لا أستطيع تحمّله تولّي أمره أنتِ.
وقفت كارما بسرعة.
هذا لا يثبت شيئًا.
لكن ياسر لم يرفع صوته.
يثبت البداية.
ضغط زرًا آخر.
فتغيّرت الشاشة، وظهرت عشرات الإيصالات.
جلسات علاج النطق.
مراجعات طبيب الأعصاب.
تقارير المدرسة.
الأدوية.
النظارات.
الأدوات التعليمية.
بطاقات بلاستيكية تحمل رسومات تساعده على قول
أنا أتألم.
أحتاج إلى الهدوء.
أنا خائف.
عندما كانت الكلمات تعجز عن الخروج.
كل ورقة تحمل تاريخًا.
وكل دفعة مالية كانت باسمي أنا.
ولا واحدة منها تحمل اسم كارما.
اقترب الأستاذ سامر من الشاشة وكأنه وجد الهواء أخيرًا.
ياسر هل احتفظت بكل هذا؟
قال بهدوء
منذ كنت في الرابعة عشرة.
وضعت يدي فوق فمي.
فبينما كنت أظن أنه فقط يصلح الهواتف ويصمم الصفحات الإلكترونية لبيع المعجنات
كان حفيدي يبني جدارًا كاملًا.
ليس جدار كراهية
بل جدار ذاكرة.
ضحكت كارما بتوتر.
أرجوكُم أي جدة ناقمة تستطيع جمع بعض الأوراق. كنت صغيرة ومريضة، وأمي كانت تسيطر عليّ.
فتح ياسر مجلدًا آخر.
حسابات كارما.
ظهرت الصور تباعًا.
كارما على الشاطئ في دبي، ترتدي فستانًا أبيض.
كارما في أحد المنتجعات مع صديقاتها.
كارما داخل مطعم فاخر، وأسفل الصورة عبارة
بلا مسؤوليات بلا دراما أخيرًا حرة.
تذكرت تلك الصورة جيدًا.
رأيتها ذات ليلة بينما كان ياسر نائمًا في سريري، بعد أن أخافته أصوات الألعاب النارية فاختبأ تحت الطاولة لساعات.
في تلك الليلة بكيت طويلًا قرب المغسلة وأنا أعصر الإسفنجة كأنني أحاول خنق غضبي بيدي.
اقتربت كارما من التلفاز بعصبية.
هذه حياتي الخاصة!
رمش ياسر مرة واحدة.
ثم قال
وكان ذلك أيضًا هجري.
تنحنح محاميها وقال
أقترح ألا نحول الأمر إلى استعراض عاطفي. السيدة كارما ما تزال تملك حقوقها كأم.
لكن الأستاذ سامر قال هذه المرة بثبات أكبر
وياسر يملك أيضًا حقوقه كقاصر إضافة إلى حماية قانونية لثروته.
قطّب محامي كارما حاجبيه.
حماية قانونية؟
ضغط ياسر زرًا آخر.
فظهر مجلد بعنوان
عقد البيع والصندوق الائتماني.
اختفى لون وجه كارما.
واختفى لوني أنا أيضًا، لأنني لم أكن أعلم بوجود ذلك الملف.
همست
ماذا فعلت يا ياسر؟
عدّل سماعاته حول عنقه وقال
قرأت قبل أن أوقّع.
ظهرت أوراق بيع التطبيق على الشاشة.
ولم تكن الشركة قد وضعت المال في حساب عادي.
بل أُنشئ صندوق ائتماني محمي حتى يبلغ ياسر الثامنة عشرة، بإدارة مراقبة ولجنة إشراف وقيود تمنع استخدام الأموال في أي شيء خارج التعليم
فتحت كارما فمها.
لكنها لم تنطق.
أما محاميها، فأخذ يقلب أوراقه بسرعة ثم نظر إليها بانزعاج واضح.
قلتِ لي إن الأموال موجودة في حسابات شخصية.
قالت بين أسنانها
هذا ما ظننته.
نظر إليها ياسر بهدوء.
أنتِ لم تظني بل افترضتِ.
ساد الصمت.
وفي الخارج، كانت عمّان ما تزال تسير كالمعتاد. مرّ بائع كعك في الشارع، وشعرت للحظة بأن استمرار الحياة أمر مستفز بينما كانت ابنتي تحاول انتزاع حياة حفيدي بالأوراق.
غيّرت كارما تعابير وجهها سريعًا.
كانت تلك موهبتها دائمًا.
الانتقال من الغرور إلى البكاء خلال ثانية واحدة.
قالت بصوت مرتجف
ياسر يا حبيبي، أنا لم آتِ من أجل المال. جئت من أجلك. ندمت طوال هذه السنوات. لا تتخيل كم مرة أردت العودة.
فتح ياسر مجلدًا آخر.
تسجيلات صوتية.
تراجعت كارما خطوة.
لا
وانطلق أول تسجيل داخل غرفة الجلوس.
كان صوتها أصغر سنًا وأقسى.
ذلك الطفل دمّر حياتي. لا أريد أن أقضي عمري أتعامل مع نوبات غضب غريبة.
أغمضت عيني.
ثم التسجيل الثاني
إن كانت أمي تحبه إلى هذا الحد، فلتنفق عليه بنفسها. أنا لست ممرضة.
أما التسجيل الثالث فكان الأسوأ
إذا أصبح له قيمة يومًا ما سنتحدث حينها.
تجمّد محامي كارما.
أما الأستاذ سامر، فنظر إليّ بوجه شاحب.
وشعرت بشيء ينكسر داخلي ويعود للالتئام في الوقت نفسه.
لأنني كنت أظن أن كارما عادت فقط عندما سمعت بالمال.
لكن ربما كانت تنتظر
كما يترك البعض أرضًا قاحلة ثم يعودون عندما يسمعون أن الذهب خرج منها.
بدأت كارما بالبكاء.
لكن أحدًا لم يصدقها هذه المرة.
قالت
كنت مريضة كنت متعبة نعم قلت أشياء سيئة لكنني كنت مكتئبة. لم يساعدني أحد.
تقدمت خطوة نحوها.
أنا ساعدتك.
نظرت إليّ بغضب.
أنتِ كنتِ دائمًا تحاكمينني.
فقط طلبت منك ألا تتركي ابنك.
صرخت
لم أكن أستطيع تحمّله!
توتر ياسر فورًا.
لاحظت ذلك قبل الجميع.
بدأت أصابعه تضغط على الجهاز بقوة، وأصبح تنفسه سريعًا.
الأصوات العالية.
البكاء المزيف.
الإضاءة.
وعطر كارما الثقيل
كلها بدأت تنهال فوقه دفعة واحدة.
اقتربت منه ببطء.
انظر إلى الستارة الزرقاء يا ياسر.
أدار رأسه.
كانت لدينا ستارة زرقاء فاتحة اختارها بنفسه لأنه يقول إن ذلك اللون لا يصرخ.
قلت بهدوء
واحد اثنان ثلاثة
تنفس معي ببطء.
أما كارما، فحرّكت عينيها بسخرية.
ها هو مجددًا كنتِ دائمًا تعاملينه كأنه مصنوع من الزجاج.
خلع ياسر سماعاته بالكامل.
شعرت بالخوف.
لأنه لا يفعل ذلك إلا عندما يريد سماع كل شيء بوضوح.
ثم قال
أنا لست مصنوعًا من الزجاج أنا مصنوع من الذاكرة.
قطّبت كارما حاجبيها.
فتح ياسر آخر مجلد.
وصول كارما كاميرا المنزل.
ظهرت تسجيلات الكاميرا الخارجية.
السيارة السوداء وهي تتوقف.
كارما تنزل منها.
المحامي يحمل حقيبته.
ثم نظرت إلى واجهة المنزل وابتسمت وقالت قبل أن تطرق الباب
بهذه الأموال سنرتاح بقية عمرنا.
تجمّدت الغرفة كلها.
وضعت كارما يدها فوق صدرها.
التسجيل مفبرك!
هز ياسر رأسه.
النسخة محفوظة سحابيًا.
أغلق محاميها حقيبته ببطء شديد.
كمن أدرك أنه لم يعد