طفل التوحّد اللي أمّه سابته زمان… رجعتله بعد ١١ سنة تطلب ملايينه، لكنها ما كانتش تعرف إنه سجّل كل حاجة
المحتويات
في دبي ما حطّتش المبلغ كله في حسابي. العقد فيه صندوق ائتماني لحد ما أتم ١٨ سنة. الإدارة مشتركة مع لجنة. أمينة ما تقدرش تصرف منه. وريم كمان ما تقدرش.
وش بنتي راح لونه.
قالت
لكن إنت قلت إنهم ٣ مليون و٢٠٠ ألف دولار.
قال
نعم.
قالت
فين الفلوس؟
رد
محمية.
الكلمة وقعت كأن باب حديد اتقفل بقوة.
ريم بصّت لمحاميها بغضب وقالت
إنت قلتلي إننا نقدر نطلب الوصول ليها!
وطّى صوته وقال
لو ماكانش فيه تنظيم قانوني، آه. لكن لو فيه صندوق ائتماني
صرخت
إنت قلت إن الموضوع سهل!
سمعتها.
وسمعها الكل.
وهي نفسها فهمت متأخر إنها اعترفت.
الأستاذ سامر ابتسم لأول مرة.
ما كانتش ابتسامة كبيرة.
كانت شرارة صغيرة.
قال
شكرًا يا مدام ريم.
عضّت شفايفها.
وياسر لمس التابلت من جديد.
المرة دي ظهر مستند متوقّع عند كاتب عدل.
افتكرت اليوم ده.
كان بعد بيع التطبيق.
رحنا وسط عمّان، وعدّينا في شوارع قديمة.
وبعدين ياسر اشترى لي قهوة، وقال إن ريحتها ما بتزعجوش لو قعدنا بعيد عن الزحمة.
بعدها أخدني على مكتب، وقال إنه محتاج يرتب المستقبل.
افتكرت إنها ورق خاص بالشركة.
ما فهمتش كل حاجة.
وقّعت بس في الأماكن اللي كاتب العدل شرح لي إن الموضوع ما بياخدش حاجة من حفيدي، لكنه بيحميه.
كان اسمي ظاهر على الشاشة
أمينة ناصر.
مقدمة الرعاية الأساسية المعترف بها في القرارات الطبية والتعليمية
ما كانتش حضانة كاملة.
لكن كانت مرساة.
الأستاذ سامر كان هيضحك من كتر الراحة.
قال
ياسر يا ابني المبارك
ياسر هز كتفه ببساطة وقال
قرأت.
ريم خبطت على الترابيزة وقالت
ده عنده ١٦ سنة! ما يقدرش يقرر لوحده!
ياسر بص لها من غير غضب.
علشان كده ما قررتش لوحدي.
رن جرس الباب.
كلنا بصّينا ناحية الباب.
الحارس فتح من بره، ودخلت ست لابسة بدلة رمادي، شعرها مرفوع، وماسكة ملف رسمي.
ووراها راجل شايل بطاقة تعريف.
قالت
مساء الخير. أنا الأستاذة هبة العابد، من وحدة حماية الأسرة والطفل.
حسّيت روحي طلعت مني.
قلت
مين اتصل بيكي؟
ياسر رفع إيده.
أنا. الساعة ١١ و٤٢ دقيقة. قبل ما ريم توصل.
الأستاذة هبة بصّت لريم، وبعدين ليّا، وبعدين لياسر.
قالت
وصلنا بلاغ عن احتمال وجود خطر عائلي ومالي على قاصر. واتبلغنا كمان إن في حالة من طيف التوحّد، ومحتاجين تهيئة مناسبة أثناء أي مقابلة.
ريم فتحت عينيها بصدمة.
دي مؤامرة.
الموظفة ما اتأثرتش.
لا يا سيدتي. ده إجراء.
ياسر رجّع السماعات على ودنه، لكنه ساب واحدة مرفوعة شوية.
ده كان معناه إنه عايز يسمع، بس العالم بقى صوته أعلى من اللازم.
الأستاذة هبة لاحظت.
فوطّت صوتها.
قالت
ياسر، تحب نكمل هنا ولا تفضّل مكان تاني؟
ياسر أشار لغرفة الجلوس.
هنا. مع أمينة.
ما قالش جدتي.
قال اسمي.
لكن في بقه كانت الكلمة عاملة
ريم وقفت وقالت
مش هسمح إن حد يهينني.
الأستاذة هبة فتحت ملفها وقالت
محدش بيهينك. إحنا بنوثّق حالة. وهيكون من حقك تقولي أقوالك.
ريم رفعت صوتها
أنا جاية علشان ابني!
ياسر ضغط صوابعه على التابلت.
شوفتها.
كانت إشارة صغيرة.
نفسه بدأ يتغير.
الضوضاء، والأصوات، والانفعالات
كل حاجة بدأت تعلى حواليه زي موجة.
قربت منه بالراحة وقلت
يا بني، بص على الستارة الزرقا.
لف وشه شوية.
في بيتنا كانت في ستارة زرقا مخصوص للحظة دي.
علشان يثبت عينه عليها لما الدنيا تفقد شكلها.
همست
واحد اتنين تلاتة. اتنفس معايا.
ريم بصت لنا بضيق وقالت
دايمًا بتعامليه كأنه زجاج.
ساعتها ياسر رفع راسه.
قال بصوت أوضح من أي مرة
أنا مش زجاج.
محدش اتحرك.
كمل
أنا ذاكرة.
البيت كله سكت.
تابع
فاكر الجاكيت الأحمر اللي كنتِ لابساه يوم ما مشيتي. فاكر ريحتك كانت فانيليا. فاكر إن أمينة عيطت من غير صوت لأنها افتكرتني نايم. فاكر أول يوم ليا من غيرك. وفاكر كل الأيام اللي عشتها من غيرك.
ريم بدأت تهز راسها.
كنت عايزة أرجع.
قال
ما رجعتيش.
ما قدرتش.
ما كنتيش عايزة.
الموضوع كان صعب!
قال
أنا كنت طفل.
الجملة سحبت الهوا من البيت كله.
حتى المحاميين نزلوا عينيهم.
ياسر لمس صدره بصباعين، زي ما كان بيعمل لما يحاول يسمّي حاجة واجعاه.
قال
كنت صعب بس كنت طفل.
ريم حطت إيدها على بُقها.
يمكن سمعت أخيرًا اللي رفضت تسمعه سنين.
ويمكن بس فهمت إن التمثيل بيقع.
ماعرفش.
وما بقاش يهمني.
الأستاذة هبة طلبت تتكلم مع ياسر.
وافق بشرط إني أكون موجودة، وإن محدش يقاطعه.
قعدنا في المطبخ.
ريحة الرز الأبيض والقرفة كانت مالية المكان، لأني كنت بحط قرفة دايمًا لما أتوتر.
بره، ريم كانت بتتكلم بصوت واطي مع محاميها.
سمعت كلمات متقطعة
قضية.
فلوس.
صورتنا قدام الناس.
تسوية.
لكن في المطبخ كان في حاجة تانية.
كان في صدق.
الأستاذة هبة سألت ياسر بهدوء
مين بيعتني بيك؟ مين بيحضّر أكلك؟ مين بياخدك للدكتور؟ مين فاهم نوباتك؟ مين بيحترم سكوتك؟
رد من غير تزيين
أمينة.
سألته
تحب تعيش مع ريم؟
قال
لا.
تحب تشوفها؟
ياسر اتأخر في الرد.
بص لإيديه.
وبعدين بص لكوباية الفخار اللي كنت شاريّاها من سوق قديم، الكوباية اللي كان بيحب يشرب فيها اللبن الدافي يوم الأحد.
قال
مش دلوقتي.
سألته
ليه؟
قال
لأنها ما جتش تشوفني. هي جت علشان الفلوس.
الأستاذة هبة كتبت ملاحظتها.
وأنا عيطت من غير صوت.
ياسر مد إيده ولمس دراعي.
قال
لا بأس يا أمينة.
لكن كان في بأس.
كان في كل حاجة.
كان في خوف شيلته ١١ سنة إني أموت وأسيبه من غير حماية.
وكان في كل مرة بصيت فيها لبيوت عمّان القديمة وتمنيت أكون لياسر زي الحجر فوق الحجر
ثابتة مهما الزمن عضّ أطرافي.
وفجأة اكتشفت إنه هو كمان
ماكانش بيبني جدران.
كان بيبني أدلة.
وطرق.
ومخارج.
لما رجعنا غرفة الجلوس، كانت ريم واقفة جنب الباب.
وشها قاسي.
قالت
أنا مستعدة نوصل لاتفاق.
الأستاذ سامر رفع حاجبه.
أي
متابعة القراءة