طردني أبي بعدما ظن أنني فاشلة… ولم يكن يعلم أنني أعرف سره

لمحة نيوز

فؤاد غاضبًا بشكل لم أسمعه منه من قبل
أين أنتِ؟!
قالت بخوف
أنا أنا مع ديانا.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم جاء صوته باردًا بشكل مرعب
انزلي من السيارة فورًا.
تبادلت النظرات مع الأستاذ سامح.
أما ليان
فبدأت تبكي بصمت.
ثم قال فؤاد الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقي
إذا استمرت ديانا في البحث وراء الماضي فستخسر أكثر من مجرد البيت.
ساد الصمت داخل السيارة لثوانٍ طويلة.
لكن ذلك الصمت لم يكن هدوءًا
كان خوفًا.
الخوف الذي يسبق الكارثة.
ليان كانت تمسك الهاتف بيد ترتجف.
أما صوت فؤاد
فبدا مختلفًا تمامًا هذه المرة.
لا غضب.
لا تمثيل.
فقط برود مخيف.
قال ببطء
اسمعيني جيدًا يا ليان انزلي من السيارة الآن.
همست
أبي
فقاطعها فورًا
ديانا تدمر نفسها ولا أريدكِ أن تسقطي معها.
شعرت بالغضب يشتعل داخلي.
أخذت الهاتف من يد ليان مباشرة.
وقلت بثبات
انتهى وقت التهديدات يا فؤاد.
ساد الصمت لثانية.
ثم جاء صوته منخفضًا
أنتِ لا تعرفين مع من تلعبين.
بل أعرف جيدًا.
ضحك بخفة.
لكن ضحكته كانت متوترة.
أمكِ أيضًا ظنت أنها تعرف.
شعرت بأنفاسي تتوقف.
صرخ الأستاذ سامح فورًا
أغلقي الخط!
لكنني لم أستطع.
قلت بصوت مرتجف
ماذا يعني هذا؟
ساد صمت قصير.
ثم قال
بعض الناس يدفعون الثمن عندما يرفضون الاستماع.
وانقطع الاتصال.
صرخت ليان
أبي أصبح مخيفًا
أما الأستاذ سامح
فضغط بقوة على المقود.
علينا الوصول إلى عم حسن قبل أن يسبقه.
كانت شوارع القاهرة شبه فارغة.
وأضواء السيارات تمر كخطوط سريعة وسط الظلام.
أما قلبي
فكان يضرب بعنف لدرجة شعرت أنه سيفضح خوفي للجميع.
بعد حوالي أربعين دقيقة، دخلنا منطقة قديمة قرب الورش والمخازن.
المكان كان هادئًا بشكل غريب.
أوقف الأستاذ سامح السيارة أمام ورشة صغيرة صدئة.
اللافتة القديمة فوق الباب كُتب عليها
ورشة الحاج حسن لإصلاح السيارات.
لكن الباب كان نصف مفتوح.
ونور خافت يخرج من الداخل.
نزلنا بسرعة.
ناديت
عم حسن؟!
لا جواب.

دخل الأستاذ سامح أولًا بحذر.
ثم توقف فجأة.
شعرت بقلبي يسقط.
ماذا حدث؟!
دخلت خلفه
وتجمدت مكاني.
الورشة كانت مقلوبة بالكامل.
الأدراج مفتوحة.
الأوراق مرمية على الأرض.
والزجاج محطم.
همست خالتي سعاد
لقد سبقونا
وفجأة
صدر صوت ضعيف من آخر الورشة.
ركضنا بسرعة.
وكان عم حسن ملقى على الأرض بجانب المكتب الخشبي.
وجهه شاحب.
ويده تنزف.
صرخت
يا الله!
اقترب الأستاذ سامح بسرعة
اتصلوا بالإسعاف!
فتح عم حسن عينيه بصعوبة.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال بصوت متقطع
كنت أعرف أنهم سيأتون.
جلست بجانبه فورًا.
من فعل هذا؟!
تنفس بصعوبة.
فؤاد كان هنا.
شعرت بالدم يغلي داخل عروقي.
أين الدليل؟!
رفع يده المرتجفة بصعوبة
وأشار نحو سيارة قديمة مغطاة بالقماش داخل زاوية الورشة.
قال بصوت يكاد يختفي
داخل المقعد الخلفي.
ركض الأستاذ سامح بسرعة نحو السيارة.
أما أنا
فبقيت ممسكة بيد الرجل العجوز.
قال وهو يحاول التنفس
أمكِ كانت امرأة طيبة.
بدأت دموعي تنزل دون إرادة.
لماذا لم تتكلم طوال هذه السنوات؟
أغلق عينيه للحظة.
ثم قال
خفت لكنه لم يخف يومًا.
وفي تلك اللحظة
صرخ الأستاذ سامح من الجهة الأخرى
وجدتها!
التفتنا بسرعة.
كان يحمل صندوقًا معدنيًا صغيرًا مغطى بالغبار.
فتحناه فورًا.
وفي الداخل
كانت هناك قطعة معدنية ملفوفة بقماش قديم.
وقصاصات.
وصورة.
ورسالة.
رفع الأستاذ سامح القطعة المعدنية ببطء.
وقال بصوت ثقيل
خرطوم الفرامل.
أما الصورة
فجعلت الدم يتجمد في عروقي.
كانت صورة لأبي.
يقف بجانب سيارة أمي.
قبل يوم واحد فقط من الحادث.
لكن الشيء الذي صدمنا أكثر
كان ما كُتب خلف الصورة.
بخط أمي.
إذا حدث لي شيء فؤاد يعرف السبب.
شعرت أن الأرض اختفت من تحتي.
أما ليان
فبدأت تبكي بشكل هستيري.
لا لا هذا غير حقيقي
وفجأة
صدر صوت سيارة قوية خارج الورشة.
تجمدنا جميعًا.
ثم ظهرت أضواء أمام الباب مباشرة.
همس الأستاذ سامح
إنه هو
وفي اللحظة التالية
دخل فؤاد إلى
الورشة ببطء.
وخلفه سمر.
كان وجهه مظلمًا بشكل مرعب.
أما عيناه
فلم يعد فيهما أي شيء يشبه الأبوة.
نظر إليّ مباشرة.
ثم قال بهدوء مخيف
أعطيني الصندوق يا ديانا ولن يتأذى أحد.
وقف فؤاد عند باب الورشة كأنه لم يعد الرجل نفسه الذي عرفته طوال حياتي.
لا ملامح هادئة.
لا صورة الأب المحترم التي كان يتقن ارتداءها أمام الناس.
فقط وجه متعب وغاضب وخائف.
أما سمر، فكانت تقف خلفه بعينين مرتبكتين، وكأنها بدأت تدرك أن الأمور خرجت عن السيطرة.
أعاد فؤاد كلامه ببطء
أعطيني الصندوق يا ديانا ولن يتأذى أحد.
أمسكت الصندوق بقوة أكبر.
وقفت أمام ليان دون وعي، وكأنني أحاول حمايتها حتى الآن.
قلت بثبات
انتهى الأمر.
ضحك بسخرية قصيرة.
تظنين أن بضع أوراق ستدمرني؟
رفع الأستاذ سامح الهاتف فورًا.
الشرطة في الطريق.
لكن فؤاد لم يهتز.
بل نظر إليّ مباشرة وقال
أنتِ لا تفهمين شيئًا.
اقترب خطوة أخرى.
أمكِ لم تمت بسببي.
شعرت بأنفاسي تختنق.
إذن لماذا كنت تخفي الحقيقة طوال هذه السنوات؟!
صرخ فجأة
لأنها كانت ستدمرنا جميعًا!
ارتجفت ليان خلفي.
أما سمر
فهمست بخوف
فؤاد توقف.
لكنه لم يسمعها.
كان كأنه انهار أخيرًا بعد سنوات طويلة من الكذب.
قال بصوت مرتفع
أمكِ كانت تريد أخذكِ والرحيل!
شعرت بالصدمة.
أكمل بعصبية
كانت ستسافر وتأخذ البيت وتتركني غارقًا في الديون!
صرخت
هذا لا يبرر ما فعلته!
ساد الصمت للحظة.
ثم قال الجملة التي غيّرت كل شيء
لم أقصد أن تموت.
تجمد العالم من حولي.
حتى الهواء اختفى.
أما ليان
فنظرت إليه وكأن قلبها توقف.
قلت بصوت بالكاد خرج
ماذا فعلت؟
أغلق عينيه للحظة.
ثم جلس على الكرسي الخشبي القديم وكأنه فقد قوته فجأة.
وقال بصوت متعب
كنت أريد فقط أن أخيفها.
لم أتحرك.
لم أستطع.
أكمل وهو يحدق بالأرض
تشاجرنا تلك الليلة قالت إنها ستأخذك وترحل للأبد وأنها ستكشف ديوني وكل شيء.
بدأ صوته يرتجف.
بعدها نزلت إلى السيارة وأنا أنا عبثت بالفرامل.

شهقت سمر
أنت قلت لي إنها كانت مجرد مشكلة عادية!
صرخ فيها
اصمتي!
ثم نظر إليّ مجددًا.
وعيناه ممتلئتان بشيء يشبه الندم المتأخر.
لم أتوقع أن الحادث سيكون بهذا الشكل
شعرت أن قدميّ لم تعودا تحملاني.
كل طفولتي
كل سنوات اليتم
كل مرة اشتقت فيها لأمي
كانت بسبب قرار منه.
من أبي.
بدأت دموعي تنزل بصمت.
أما ليان
فكانت تبكي وهي تهز رأسها بعدم تصديق.
أنت قتلتها؟
صرخ فجأة
لم أقصد ذلك!
لكن صوته لم يعد يقنع أحدًا.
لا أنا.
ولا ليان.
ولا حتى نفسه.
وفجأة
دوّت أصوات سيارات الشرطة خارج الورشة.
أضواء زرقاء وحمراء انعكست على الجدران القديمة.
تحرك فؤاد بعصبية وكأنه يريد الهرب.
لكن الأستاذ سامح وقف أمامه مباشرة.
وفي اللحظة التالية
دخل رجال الشرطة بسرعة.
تراجع فؤاد للخلف.
أما سمر
فجلست تبكي في الزاوية.
اقترب الضابط بهدوء وقال
الأستاذ فؤاد عبد الرحيم أنت موقوف للتحقيق في عدة قضايا، منها التزوير ومحاولة الاستيلاء على ممتلكات وفتح ملف وفاة السيدة نادين من جديد.
رفع فؤاد عينيه نحوي.
ولأول مرة
لم أرَ فيه الرجل القوي الذي كنت أخشاه.
رأيت شخصًا خسر كل شيء.
قال بصوت مكسور
ديانا
لكنني تراجعت خطوة للخلف.
لم أعد أملك أي كلمات له.
اقتادته الشرطة خارج الورشة.
وكانت ليان تبكي بصمت وهي تراه يرحل.
أما أنا
فشعرت بشيء غريب جدًا.
لم يكن انتصارًا.
ولم يكن فرحًا.
كان نهاية.
نهاية ثقل حملته فوق قلبي سنوات طويلة.
بعد ثلاثة أشهر
كانت شمس العصر تدخل من نوافذ بيت الزمالك بهدوء.
البيت عاد لي أخيرًا.
الجدران القديمة.
رائحة الخشب.
والياسمين في الشرفة.
كل شيء كان يشبه أمي.
وقفت أمام صورتها الكبيرة في غرفة الجلوس.
ثم ابتسمت لأول مرة منذ سنوات دون خوف.
دخلت ليان بهدوء وهي تحمل أكواب الشاي.
نعم
ليان بقيت معي.
لأنها، مثلما اكتشفت أنا الحقيقة
اكتشفت هي أيضًا أن الحياة التي عاشتها كانت مبنية على كذبة.
جلست بجانبي وقالت
هل تعتقدين أن خالتي
نادين كانت ستسامحنا؟
نظرت إلى صورة أمي طويلًا.
ثم قلت بهدوء
أمي كانت تؤمن أن الإنسان لا يُقاس بأخطاء غيره بل بما يختار أن يصبحه بعدها.
ابتسمت ليان وسط دموعها.
أما أنا
فنظرت نحو الشرفة حيث كانت أزهار الجهنمية تتحرك مع الهواء.
وفي تلك اللحظة فقط
شعرت أن أمي عادت إلى البيت أخيرًا.

تم نسخ الرابط