استثمار خاسر حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


من كتر إحراجه.
رئيس الجامعة مسك الميكروفون وقال نور مش بس الأولى، نور هي القصة اللي ألهمت كل طالب هنا.. البنت اللي بدأت من الصفر، واشتغلت شفتات ليلية عشان تصرف على حلمها، وقدرت في أربع سنين تاخد أعلى منحة بحثية في تاريخ الجامعة.
وقفت قدام الميكروفون عشان ألقي كلمة الخريجين. بصيت لبابا مباشرة، وعيني جت في عينه. شفت فيها الندم، وشفت فيها نظرة الانكسار اللي كان بيحاول يداريها ورا كبريائه.
قلت بصوت واثق سمعه كل اللي في الاستاد
أنا النهاردة مش بهدي النجاح ده للي آمن بيا.. أنا بجديه للي قالي إنتي خسارة فيكي الاستثمار. شكراً لأن رفضكم كان هو الوقود اللي خلاني أحرق التعب عشان أوصل لهنا. شكراً لأنكم علمتوني إن الاستثمار الحقيقي مش في الفلوس، الاستثمار في الإرادة اللي مبيكسرهاش جحود أقرب الناس.
الاستاد كله انفجر بالتصفيق، وناس كتير قامت وقفت تحييني. سلمى كانت قاعدة جنبهم، وشها كان أحمر من الإحراج، وفرحتها بتقديرها

المقبول اللي جابته بالعافية اتبخرت قدام اللي بيحصل.
بعد الحفلة، وأنا نازلة من على المنصة، لقيتهم واقفين قدامي. بابا حاول يقرب مني وبوكيه الورد في إيده، وقال بصوت مهزوز مبروك يا نور.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إنك..
قاطعته بهدوء تام، والابتسامة على وشي كانت باردة زي التلج مكنتش تعرف إني أساوي كام يا بابا؟ مفيش مشكلة.. أنا النهاردة عرفت قيمتي كويس. والبوكيه ده؟ قدمه لسلمى.. هي محتاجة اللي يسندها، أما أنا.. فخلاص، بنيت سندي بنفسي.
سبتهم واقفين وسط الزحام، ومشيت لغاية بوابة الجامعة، ركبت عربيتي اللي اشتريتها من تعبي، وسقت وأنا حاسة إن الهوا أخيراً بقى كفاية في ريتي.
أصعب درس اتعلمته في أربع سنين مكنش في الكتب، كان إن الدم مش دايماً هو اللي بيصون، وإنك لما تقرر تستثمر في نفسك.. مفيش قوة في الأرض تقدر تخسرك.
بعد ما مشيت وسيبتهم في ذهولهم، سلمى حاولت تلحقني وهي بتنادي عليا وصوتها مخنوق نور! استني بس، بابا مكنش قصده، هو
بس كان...
وقفت وبصيت لها بكل هدوء، وقلت لها كان قصده يا سلمى.. كان قصده يكسرني عشان إنتي تعلي، بس اللي فات مات. مبروك تخرجك يا حبيبتي، وياريت تحافظي على الاستثمار اللي بابا حطه فيكي، لأن الفرص مش بتيجي مرتين.
رجعت بيتي، ولقيت رسالة من الدكتور عصام بيبارك لي فيها وبيهنيني إن جالي عقد عمل براتب خيالي في واحدة من أكبر الشركات العالمية، مع منحة ماجستير في لندن.
بالليل، الباب خبط. كان بابا.
دخل وهو مطاطي راسه، قعد على طرف الكنبة وكأنه غريب مش صاحب بيت. فضل ساكت فترة وبعدين قال بصوت واطي أنا جاي أعتذر يا بنتي.. أنا غلطت، وغلطي كان كبير. كنت فاكر إن الفلوس هي اللي بتعمل البني آدم، بس إنتي أثبتي لي إن البني آدم هو اللي بيعمل نفسه.
بصيت له وقلت له أنا مسمحاك يا بابا.. بس السماح مش معناه إن الوجع راح. أنا مسمحاك عشان أقدر أعيش حياتي من غير غل، بس مش هقدر أنسى إنك في أكتر وقت كنت محتاجة فيه سندك، قررت تسحب إيدك وتتفرج
عليا وأنا بقع.
طلع شيك بمبلغ كبير من جيبه وحطه على التربيزة ده حقك.. ده اللي كان المفروض تدفعيه في الجامعة، خدي تعوضي بيه تعب السنين اللي فاتت.
زقيت الشيك ناحيته بابتسامة خفيفة وقلت له خده يا بابا، وجهزه لجهاز سلمى أو خليه لزمنك. أنا تعبي هو اللي عمل نور اللي واقفة قدامك دلوقتي، والشيك ده ملوش قيمة قدام أول مليم كسبته من عرق جبيني وأنا بمسح مكاتب عشان أجيب تمن الكتب.
خرج بابا وهو حاسس إن بنته اللي كان شايفها خسارة بقت أكبر منه ومن فلوسه بكتير.
بعد شهر، كنت في المطار، ماسكة شنطي ورايحة أبدأ حياتي الجديدة في لندن. وقبل ما أدخل صالة المغادرة، بصيت ورايا لمصر كلها، وابتسمت.
النهاردة بس، قفلت الدفتر القديم، وفتحت صفحة جديدة مفيش فيها حد يقدر يقيم نور بكام.. لأن نور بقت غالية أوي، غالية لدرجة إن مفيش حد يقدر يشتريها بفلوس الدنيا كلها.
النهاية.
هذه القصص لاتمثل واقعنا ولا مجتمعنا انها قصص مقتبسه من احداث اجنبيه 
حكايات
صافي هاني

 

تم نسخ الرابط