الجزء الاخير
افتكرت كريم.
افتكرت وعدي لنفسي… إني عمري ما هخليه يعيش نفس اللي أنا عشته.
بصيت لأبويا، وقلت بهدوء ثابت، هدوء جاي من وجع طويل:
“العيلة… ما ترميش بنتها الحامل على أرض ساقعة.”
الجملة وقعت في المكان زي الحقيقة اللي محدش عايز يسمعها.
محدش رد.
محدش حتى حاول يبرر.
الأمن جه بعدها بدقايق…
وخرجهم.
واحد ورا التاني…
زي ما أنا خرجت قبل كده… بس لوحدي.
أمي وقفت لحظة على الباب…
بصّتلي نظرة أخيرة…
نظرة كانت مليانة حاجات كتير قوي…
عتاب سنين، خوف متخبي، واعتذارات اتأخرت لدرجة إنها بقت مالهاش مكان.
نظرة أم… بس متلخبطة بين حبها ليا، وخضوعها للي حواليها.
وقفت قدامي لحظة… كأنها مستنية إني أتحرك…
أجري عليها… أقول لها “خلاص”… أرجع لنفس الدائرة… لنفس الوجع… لنفس التنازلات.
بس أنا… ما اتحركتش.
لا رجلي اتحركت…
ولا قلبي سمحلي
ما جريت وراها…
ما ناديتهاش…
ما حاولتش أصلّح حاجة هي أصلاً اتكسرت من زمان.
لأول مرة… ما خفتش من الوحدة.
لأول مرة… ما حسّتش إني محتاجة حد يوافق عليّا عشان أحس بقيمتي.
لأول مرة… اخترت نفسي.
والاختيار ده… كان أصعب قرار… وأصح قرار في نفس الوقت.
—
عدّت 6 أسابيع…
كل يوم فيهم كان بيعدّي ببطء غريب…
كأن الزمن نفسه كان بيمتحنني:
“هتكمّلي؟ ولا هترجعي؟”
كانت أيام تقيلة…
فيها لحظات ضعف، ودموع بتنزل من غير صوت، وليالي طويلة بسقف أوضة فاضية…
بس برضه كانت مختلفة.
كل يوم… كنت ببني حاجة صغيرة جوايا.
مش باينة للناس… بس أنا حاسّة بيها.
قوة بتتكوّن…
هدوء بيكبر…
وكرامة بترجع لمكانها… واحدة واحدة.
كنت بتعلّم إزاي أقف لوحدي…
إزاي أسمع نفسي…
وإزاي أصدق إني كفاية… حتى لو مفيش حد حواليّا بيقول كده.
—
وفي يوم…
ابني
اللحظة دي… كانت فاصلة بين حياتين.
حياة قبلها… وحياة بعدها.
أول ما شِلته بين إيدي…
الدنيا كلها سكتت.
كل الأصوات اللي كانت جوايا… اختفت.
كل الخوف… هدي.
كأن ربنا بيقولي:
“دي البداية اللي كنتي مستنياها.”
بصّيت في وشه…
ملامحه صغيرة… هادية… بس فيها أمان غريب.
كأن روحه بتطمني من غير ما يتكلم.
قربته لقلبي… وقلت بهدوء:
“اسمك كريم.”
مش بس عشان الاسم…
لكن عشان يبقى كريم في قلبه…
في اختياراته…
وفي طريقه…
ما يبقاش قاسي زي اللي وجعوني…
ولا ضعيف زي اللي سابوني.
عايزاه يبقى إنسان يعرف قيمة اللي قدامه…
وما يكررش نفس الغلطات اللي كسّرت ناس كتير.
—
وفي اللحظة دي…
فهمت حاجة عمري ما فهمتها قبل كده.
أنا ما كسبتش لما هما خسروا…
ولا لما خرجوا من حياتي…
ولا حتى لما بقت عندي فرصة أبدأ من غيرهم.
أنا كسبت…
لما خرجت
قبل ما أبقى نسخة منهم.
قبل ما أتعوّد على القسوة…
قبل ما أبرّر الظلم…
قبل ما أقول “عادي” على حاجات عمرها ما كانت عادية.
أنا كسبت نفسي…
وده كان أهم من أي حاجة تانية.
—
✨ أحيانًا الناس تفتكر إن الست الهادية مكسورة…
وإن سكوتها ضعف…
وإن دموعها نهاية.
بس الحقيقة؟
إنها بتبني في صمت…
بتجمع نفسها من تحت الركام…
بتداوي جروحها لوحدها…
ومن غير ما حد ياخد باله… بتتغيّر.
بتلم روحها حتة حتة…
بتقوي قلبها من غير ما تشتكي…
وبتتعلم تمشي لوحدها… حتى لو الطريق طويل.
وبتستنى اللحظة…
اللحظة اللي تقف فيها قدام الدنيا كلها…
من غير خوف…
ومن غير احتياج…
ومن غير ما تستنى حد ينقذها.
اللحظة اللي تبقى فيها مش محتاجة تثبت حاجة لحد…
غير لنفسها.
—
لأن أقوى الناس…
مش اللي صوتهم عالي…
ولا اللي بيكسبوا كل المعارك…
أقواهم…
اللي
بيمشوا بكرامة…
وبيكمّلوا…
وما بيرجعوش.
حتى لو الطريق وجعهم…
حتى لو الوحدة خوّفتهم…
بس عارفين…
إن الرجوع… هو الخسارة الحقيقية.