أخرجني ابني من شات العائلة وحين سألته عن السبب
وقال بحدة
لأنكِ تثيرين مشكلة أمام الناس.
أدرت وجهي نحو الطريق
على بُعد خطوات، كان جارَان يقفان قرب السور، يتظاهران بتفقد أكياس علف الدجاج
لكن أعينهما كانت علينا.
نعم كان هناك من يرى.
ولأول مرة منذ سنوات لم أشعر بالخجل.
قلت بهدوء
دعوهم يرون لعلهم يتعلمون أن الأم تتعب أيضًا.
ثم جاء الباقي كما يحدث دائمًا لكن هذه المرة أسرع.
أولًا السخرية ثم الكلمات الجارحة ثم ذلك الأسلوب القديم
حين يجعلون من يضع حدًا يبدو قاسيًا.
كانت سمية أول من قال
منذ وفاة أبي وأنتِ أصبحتِ صعبة التحمل.
وقال أحد إخوتها
تجلسين وحدك كثيرًا وتملئين رأسك بأفكار غريبة.
وأضافت زوجة ابني بنبرة ناعمة تخفي ما تحتها
نحن فقط نحاول جمع العائلة لكن إذا أصررتِ على لعب دور الضحية
وأكمل سعيد
أمي بصراحة، في مثل سنك لا يجب أن تكبّري الأمور هكذا. هذا يؤذيك.
سمعت كل كلمة
كأنها تأتي من مكان بعيد.
وفجأة
فهمت شيئًا بوضوحٍ مؤلم.
لم يكونوا غاضبين لأنني منعتهم
بل لأنهم، لأول مرة لم يعودوا قادرين على التعامل معي بنفس الطريقة.
اعتادوا أن يدخلوا ويخرجوا من حياتي
كما يفتحون باب بيتٍ يعرفونه جيدًا
حتى أصبح الباب المغلق
خيانة.
فتحت الدفتر مرة أخرى.
بحثت بين الصفحات حتى وصلت إلى صفحة أحدث
كتبتها بيدي بخطٍ متعب لكنه ثابت.
كان ذلك في الشتاء الماضي
قبل أن يرحل الحاج مصطفى.
كلمات قليلة
لكنها
رفعت رأسي وسألت
هل تعلمون ماذا يوجد هنا أيضًا؟
لم يُجب أحد.
قلت
ليس مجرد حسابات. بل ذاكرة
والذاكرة تصبح مهمة حين يبدأ الناس في الكذب على أنفسهم.
ضحك سعيد ضحكة خالية من أي دفء
يعني الآن دفتر قديم هو الذي يقرر من يدخل؟
نظرت إليه وقلت بهدوء
لا الذي يقرر هو صاحب المكان لكن الدفتر يذكّركم لماذا.
مررت يدي على غلافه الجلدي.
في السنة التي مرض فيها الحاج مصطفى لم تأتوا إلا مرتين فقط مرتين.
كنتُ وحدي أغيّر له الضمادات وأطعمُه وأستمع لسعاله في الليل
وعندما رحل قلتم إن هذه الضيعة ستبقى قلب العائلة
نظرت إليهم.
أتتذكرون؟
أدارت سمية وجهها بعيدًا
طبعًا نتذكر.
قلت
أنتم تتذكرون الكلام وأنا أتذكر الباقي.
نظرت إليهم واحدًا واحدًا
أتذكر الصيف الذي بعده حين جئتم ومعكم غرباء وتركتم المطبخ كأن عاصفة مرّت به.
أتذكر حين أخذ أحدكم من محصول الليمون ليبيعه دون أن يسأل.
أتذكر حين أخذت زوجة ابني الأغطية لأنها لا تُستعمل كثيرًا.
أتذكر حين جئتَ بأصدقائك، ووقفت هنا تقول
يمكننا أن نبني شيئًا كبيرًا في هذه الأرض يومًا ما.
وأتذكر حين حاولتم إقناعي بتقسيمها لتسهيل الأوراق.
سكتّ لحظة ثم قلت
أتذكر كل شيء لأنني أنا من بقي هنا بعد أن رحلتم.
هذه المرة ساد الصمت.
ليس احترامًا بل خوفا.
كانوا ينظرون إليّ كأنهم يرونني لأول مرة.
تحدث الحاج عبد السلام
السيدة فاطمة ليست مخطئة.
مجرد سماعهم له أغضبهم أكثر.
قال أحدهم بحدة
هذا لا يعنيك.
عدّل الحاج عبد السلام قبّعته وقال
أنا هنا منذ زمن قبل أن تعرفوا حتى كيف تُفتح هذه البوابة
وأعرف شيئًا واحدًا أن صاحبة هذا المكان يجب أن تُحترم.
كاد أحدهم يردّ لكن سعيد أوقفه بإشارة.
ثم عاد ينظر إليّ، وقال
قولي بوضوح يا أمي ماذا تريدين؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة
وأخيرًا جاء السؤال الوحيد الصادق منذ بداية هذا الصباح.
وضعت يدي على الدفتر، وقلت بهدوء
أريدكم أن ترحلوا.
ارتفعت همهمة خافتة، واعترضت زوجة أحد أبنائي، وبدأ الأطفال يتذمرون، وقال أحدهم لكننا اشترينا كل شيء بالفعل، وكأن اللحم والمشروبات الباردة والرغبة في الاحتفال تكفي لتبرير الدخول إلى حياة أي شخص دون إذن.
سألت سمية، وقد اختفت نبرتها اللطيفة
وإلى متى؟
نظرت إليها وقلت
إلى أن تفهموا أن هذه الأرض ليست حقًا يُؤخذ لمجرد أنكم وُلدتم فيها.
اتسعت عينا سعيد وقال
ستفعلين كل هذا بسبب الشات؟
هززت رأسي ببطء وقلت
لا، قلت لكِ من قبل الأمر ليس بسبب الشات فقط، بل بسبب تجاهلكم لي. كان إخراجي من الشات هو القشة التي قصمت ظهر البعير لقد عشتُ عشرين عامًا وأنتم ترونني حارسة باب، وطاهية، وممرضة، وأحيانًا عبئًا. الشات لم يفعل شيئًا سوى أنه جعلني أتوقف عن التظاهر بأنني لم أكن أرى ذلك.
أطلقت زوجة ابني ضحكة
أنتِ دائمًا تفكرين بعاطفة، هكذا لا تُدار الأمور.
نظرت إليها بثبات وقلت
هذا ليس عاطفة هذا حساب دقيق.
ثم أدخلت يدي بين صفحات الدفتر، وأخرجت ظرفًا أصفر باهتًا وجدته الليلة الماضية تحت لوحٍ مرتخٍ في أرضية غرفتي. كان الحاج مصطفى قد تركه هناك، وكتب عليه بخط واضح رغم تعبه
إلى فاطمة لا يُفتح إلا إذا حاولوا يومًا إخراجك من بيتك.
حين فتحته كانت يداي ترتجفان. بداخله كانت ثلاثة أشياء نسخة من عقد الملكية باسمي وحدي، ورسالة موثقة كتبها الحاج مصطفى قبل وفاته بأشهر، ومفتاح حديدي صغير داكن يفتح صندوقًا معدنيًا مدفونًا في غرفة الأدوات القديمة، حيث تُحفظ أهم الأوراق، ومن بينها سند موقّع باسم سعيد في العام الذي أنقذنا فيه مشروعه بثمن بيع قطعة الأرض الصغيرة.
لم أُعطهم الظرف، بل تركته فوق ركبتي، لكن سعيد رآه. ولأول مرة منذ وصوله لم يكن صوته ثابتًا، وتغيّر وجهه قليلًا وهو يسأل
ما هذا؟
لم أجب على الفور، وتركت الصمت يقوم بدوره. نظرت سمية إلى أخيها، وعبس أحد إخوته، بينما ضيّقت زوجة ابني عينيها كأنها تشم رائحة خطر.
قلت أخيرًا
هذا ما لم تكلفوا أنفسكم يومًا عناء السؤال عنه ما هو المهم فعلًا.
تقدّم سعيد خطوة نحو البوابة وقال بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة
أمي، لا داعي للأسرار. إذا كانت هناك أوراق، يمكننا أن نتحدث جميعًا.
نظرت إليه وقلت بهدوء
عندما
هذه المرة لم يضحك أحد.
أخرجت الرسالة الموثقة، وأمسكت بها